الإرهاب .. الخطر ما زال قائمـاً

  • 14 يوليو 2010

التفجيران اللذان استهدفا مدنيين عزلاً في العاصمة الأوغندية (كمبالا) مساء الأحد الماضي، وأسفرا عن مقتل نحو 76 شخصاً وإصابة العشرات، ليسا سوى دليل جديد على أن الإرهاب الأعمى لم يزل يضرب حيثما يرتأي ويرسم خططه الخبيثة وينفّذها من دون وازع. صحيح أن الفكر الإرهابي تلقى ضربات قاصمة، وفقدت تنظيماته عناصر طالما لعبت أدواراً بالغة الخطورة في تخطيط العمليات الإرهابية وتنفيذها في مناطق شتى من العالم، إلا أن هناك في المقابل من الشواهد ما يؤكد أن الإرهاب لا يزال خطراً جاثماً فوق صدور الجميع، وأن اجتثاثه نهائياً لم يزل أمراً بعيد المنال، ويتطلب مزيداً من الجهود والتنسيق بين مختلف الدول والمنظمات المعنيّة بأمن العالم واستقراره.

الشواهد تؤكد أن الظاهرة الإرهابية تمر حالياً بمرحلة "تحور" في ما يشبه ما يحدث للأوبئة الفيروسية عندما تتحور لتنتج "فيروساً هجيناً" ذا سمات وآثار مغايرة نسبياً لما يسببه الفيروس الأصلي، وإذا كان تحور الفيروسات ينتج في أحيان كثيرة فيروساً أشرس من الطور الأول، فإن هذا الأمر يشبه إلى حد كبير معاناة العالم مع تنظيمات الإرهاب، التي تماثل في تقلبها وفرص تحورها الفيروسات، حيث أصبح اندماج تنظيمات متطرفة أو فرعية مع "القاعدة"، التنظيم الإرهابي الذي يمثل المظلة للممارسات والأفكار الإرهابية، مسألة متكررة في مناطق ودول شتى، بل إن هناك تنافساً بغيضاً بين الفروع الصغيرة على انتزاع وكالة "القاعدة" والتحدث باسمها وتنفيذ العمليات الإرهابية تحت مظلتها وشعاراتها ورغبتها العارمة في سفك الدماء وقتل الأبرياء. إن انضواء التنظيمات الفرعية تحت مظلة "القاعدة" ليس المظهر الوحيد لـ "تحور" الإرهاب، فهناك التطور على صعيد عمليات "التجنيد" وتجييش عملاء إرهابيين محليين في دول عدة وإيقاظ الخلايا النائمة أيضاً، في محاولات مستميتة للالتفاف على خطط التصدّي لخطر هذه التنظيمات، ولجأت "القاعدة" في ذلك إلى مختلف الحيل والسبل بغضّ النظر عن الاعتبارات الأخلاقية والإنسانية، حيث فوجئ العالم بانتحاريين من الأطفال والنساء، واستخدمت الحيوانات في عمليات التفجير، وانتشرت طرق صناعة القنابل وتفخيخ البشر ووسائل النقل، لتنافس وصفات إعداد الطعام على "الإنترنت"، وتحوّلت شبكة المعلومات الدولية إلى فضاء تجنيد وتحريض وتدريب فسيح لا يقلّ في خطورته عن جبال تورا بورا وكهوفها.

الانتقال من "المحلية" إلى "العالمية" بات حلماً غير مشروع تتنافس عليه تنظيمات متطرفة كثيرة في العالم، وقتل المدنيين واستهداف الأرامل واليتامي والفقراء بات أمراً تتباهى به "فروع القاعدة" في دول مثل العراق وأفغانستان والصومال وغيرها، وجرائم هذه التنظيمات أضحت أكثر استعصاء على محاولات الرصد، فضلاً عن المنع التام، كما يؤكد الخبراء والمتخصصون وتعكس الشواهد والأحداث التي يتابعها الجميع كل يوم.

المؤشرات تؤكد أن "القاعدة" لم تعد بالقوة العملياتية والخططية والتمويلية التي كانت عليها منذ سنوات مضت، ولكنها تظل خطراً يؤرق مضاجع خبراء الأمن ومسؤوليه، ولا سيما أن حالة الضعف القائمة لا تعني أن التنظيم في طريقه إلى الزوال النهائي، باعتبار أن الإرهاب كظاهرة متقلبة، يتّسم بالمد والجزر، والمقدرة على امتصاص الصدمات.

حصاد السنوات التسع الماضية على صعيد الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، يؤكد أيضاً أن القيادات الأساسية لتنظيم "القاعدة" إما قتلت وإما حبيسة الأسر والحصار في مناطق جبلية نائية، ولكن تحور الإرهاب وتضافر تنظيمات صغيرة وتحولها إلى وكلاء للتنظيم الأصلي، يمنح "القاعدة" منافذ جديدة لتنفيذ خططها البغيضة، ما يعني أن العالم بأسره في مواجهة تحدّ متجدد لتحقيق الأمن والاستقرار.

Share