الإرهاب الأعمى في العراق

  • 12 مايو 2010

كلما تقدّم العراق خطوة إلى الأمام على المسارين الأمني أو السياسي، وبدأت الأمور تعود إلى طبيعتها ويعود العراقيون إلى حياتهم الطبيعية، خرجت خفافيش الظلام من جحورها لتقتل الأبرياء دون تمييز وتروّع الناس في بيوتهم وأعمالهم وأسواقهم وشوارعهم وتشيع أجواء العنف والدم في محاولة لجذب البلاد جذباً إلى الوراء وغمسها في صراع دموي لا نهاية له لتحقيق أهداف مشبوهة لقوى شريرة مستعدة لعمل أي شيء دون أي وازع من دين أو وطنية أو ضمير. لقد كانت الهجمات الإرهابية الدموية التي تعرضت لها مناطق مختلفة من العراق، أول من أمس، وأوقعت أكثر من مئة قتيل نصفهم من العمال الأبرياء في أحد مصانع النسيج، إضافة إلى عشرات الجرحى، رسالة واضحة موجهة إلى القوى السياسية والدينية العراقية كلها بأن العراق ما زال يواجه خطراً كبيراً على أمنه واستقراره وأن هناك مَنْ لا يريد له أن يتقدم أي خطوة إلى الأمام حتى لو كان السبيل إلى ذلك إغراقه في بحور من الدم أو الزج به في أتون حرب أهلية مدمّرة، ولذلك فقد حان الوقت للوحدة في مواجهة هذا الخطر ووضع الخلافات مهما كانت شدتها وحساسيتها جانباً حتى يمكن العبور بالبلاد بعيداً عن هذا المنزلق المدمّر.

إن قتل العراقيين وترويعهم لا يمكن أن يأتيا إلا من قوى لا تريد أي مصلحة للعراق، ولا يمكن أن يكونا طريقاً أو أسلوباً للتعبير عن موقف أو قضية، كما لا يمكن أن يحظيا بأي تأييد من قبل أي قوة عراقية، لأن القتل موجه إلى الجميع دون استثناء، ومن الواضح في ضوء التفجيرات الإرهابية الأخيرة، التي جاءت بالتزامن، أن قوى الإرهاب ما زال لديها القدرة للتخطيط والتنفيذ لعمليات دموية موجعة في أنحاء متفرقة من الأرض العراقية ما يجعل مواجهتها والتصدي لمخططاتها أولوية قصوى لدى ألوان الطيف السياسي والديني والعرقي والمذهبي كله على الساحة العراقية.

تشير التجارب السابقة إلى أن عناصر الإرهاب تنشط دائماً في ظل الأزمات السياسية من أجل تأجيجها وإضفاء المزيد من التعقيد عليها، وهذا ما يتضح من تصاعد العمليات الإرهابية في أجواء الخلاف السياسي التي يعيشها العراق حالياً وتؤدي إلى تعثر تشكيل الحكومة الجديدة على الرغم من مضي أكثر من شهرين على انتهاء الانتخابات البرلمانية. إن الرد على التفجيرات الأخيرة لا يمكن أن يكون من خلال الإجراءات الأمنية فقط، لأنه مهما بلغت مهارة هذه الإجراءات واحترافيتها فلن يمكنها أن تقضي على الخطر الإرهابي، وإنما هناك حاجة، إضافة إلى الدور الأمني، إلى تحصين الساحتين السياسية والاجتماعية العراقيتين عبر الاتفاق حول الحكومة الجديدة واحترام إرادة الناخبين والامتناع عن الانزلاق إلى مستنقع الطائفية من جديد، فعندئذ تندحر مخططات القوى التي تريد أن يبقى العراق ساحة للعنف والصراع وتصفية الحسابات فقط، ولا يبقى للإرهابيين أي أمل في إعادة الأمور مرة أخرى إلى الوراء.

 

Share