الإدارة الإسرائيلية للوضع الراهن في الشرق الأوسط

د. عبدالغفار الدويك: الإدارة الإسرائيلية للوضع الراهن في الشرق الأوسط

  • 13 أغسطس 2009

جاء بنيامين نتنياهو إلى السلطة بعد فشل أجندات أطراف إقليمية، اعتقدت أن تحرير الأرض وتمرير المشروع النووي الإيراني لن يتما إلا على أنقاض غزة. تلا ذلك تحرك الاتحاد الأوربي وحلف الناتو لحماية أمن إسرائيل بحرياً، وبادرت إدارة أوباما بإرسال مبعوثيها إلى المنطقة في جولة لجس نبض الأطراف المعنية.

وفور توليه الحكم، شرع الليكود في رص حقول ألغام جديدة على طريق جهود كل من المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط جورج ميتشل، والرباعية الدولية، وخريطة الطريق، والمبادرة العربية للسلام. ومن ثم، أكد الليكود للمجتمع الدولي أن إسرائيل ليست مستعدة الآن للسلام لأسباب عدة: أولها جمود الحالة العربية والفلسطينية، وثانيها حالة الشرق الأوسط المتوترة، وثالثها أنها مهددة من إرهاب قائم. وقد نجحت إسرائيل بالفعل في الوصول إلى نقطة لا تستطيع التفريط فيها، وهي حالة التشرذم الفلسطيني إلى فسطاطين أحدهما في رام الله والآخر في غزة، مع عجز العرب عن توحيد الصف الفلسطيني؛ وهو ما يدعم زعم إسرائيل بغياب الشريك الفلسطيني.

وخبرتنا مع نتنياهو تتوقف عند تجربة توقيع اتفاقية واي ريفر (1998)، ورفضه التخلي عن لاءاته الشهيرة. لقد جاء الليكود عام 2009 للحكم يحمل برنامجاً، يمكن أن نطلق عليه الأمن القومي الإسرائيلي أولاً؛ وهو ما يوحي بأنه لا يوجد مجال للتنازل عن الأرض، أو إيقاف بناء المستوطنات، بل إطالة أمد حالة اللاسلم، مع الاستعداد لاستخدام القوة. ويقوم هذا البرنامج على مبدأين: الأول- لا للسلام في ظل سيطرة حماس على غزة، والثاني- لا لتسوية نهائية شاملة قبل التطبيع وتعديل المبادرة العربية، ونعم لمسمى دولة فلسطينية لا تزيد عن حكم ذاتي منقوص. وقد اتضحت ملامح هذا البرنامج في خطاب نتنياهو، في 14 يونيو 2009 بجامعة "بار أيلان" الإسرائيلية، وحدد فيه بعض ملامح استراتيجية حكومته تجاه التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي. يوضح أرون ديفيد ميلر Aaron D. Miller، زميل السياسة العامة بمركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين، أن الإشارة إلى دولة فلسطينية منزوعة السلاح تمثل مراوغة أيديولوجية. وفي هذا السياق، يضيف ميلر، سيسعى الرئيس باراك أوباما إلى تجسير الفجوة بين الطرفين حول مجموعة من القضايا الخلافية، كالقدس وأمن الحدود واللاجئين، وهو ما قد يحتاج إلى وقت طويل جداً تحتاجه إسرائيل لتغيير الأوضاع على الأرض. ولم يشر ميلر إلى إن إسرائيل تستطيع نسف هذه الجسور أولاً بأول.

وفي الحقيقة، يحمل نتنياهو سيناريو كارثياً، ملخصه التهديد بالحرب، في ظل مناخ إقليمي ودولي يبدو مواتياً. فإيران واقعة تحت تأثير الضغوط الدولية التي تصل إلى حد الحصار، وقد ينتهي الأمر بعمل عسكري متهور ضدها من جانب إسرائيل. أما سورية، فتقع بين شقي رحى توتر واحتقان الداخل، وتكسير العظام إقليمياً على الساحة اللبنانية، إلى جانب تدمير بعض منشآتها العسكرية. و تريد تركيا أن تبرهن للغرب أنها مؤهلة لأن تكون الشرطي الدبلوماسي للشرق الأوسط. دون الحديث عن الحالة الفلسطينية المأزومة. في ظل هذه البيئة، تتحرك الجهود المصرية والسعودية، من منطلق التزام قومي وأخلاقي، لجمع الفرقاء الفلسطينيين، واستئناف المفاوضات في ظل مبادرة عربية تاريخية. وتؤكد هذه الجهود أن السياسات الأميركية في المنطقة لن تؤدي إلى تسوية شاملة للصراع، في ظل تراجعها أمام سياسات نتنياهو التسويفية، على الرغم من أن الدول العربية مستعدة لتشجيع إسرائيل، وتحفيز الولايات المتحدة شريطة أن تبدأ المفاوضات.

ولكن غياب استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة قد يسهل مفاعيل مؤامرة إسرائيلية لتفكيك القضية، وإلى قبول أجندة أطراف إقليمية سوف تقفز من قطار القضية الفلسطينية بمجرد تحقيق مصالحها ومآربها. وفي ظل حالة الإحباط التي أصابت الرأي العام العربي تجاه ما يحدث على الساحة الفلسطينية، ظهرت بادرة أمل، حيث باتت حركة فتح، بعيد مؤتمرها الأخير (أغسطس 2009)، في موقع قوي يؤهلها لاستعادة مكانتها، والتعامل مع الغرور الإسرائيلي من موقع أكثر قوة، بعد مراجعة النفس، وتعديل السياسات، واختيارها النهج الديمقراطي في تجديد دمائها. غير أن الصورة الذهنية للفصائل الفلسطينية لدى غالبية الرأي العام العربي غير جيدة؛ حيث شاهد مباحثات واتفاقيات عديدة في الدوحة ومكة والقاهرة بينها، ثبت أنها كانت مناورات قصيرة الأمد أفقدتها مصداقيتها، وبوصلتها الاستراتيجية نحو الهدف الأكبر، وهو تحرير الأرض. ومن ثم، على الفصائل الفلسطينية مراجعة النفس، وتعديل السياسات، وإعلاء المصالح الوطنية الفلسطينية، وتبني استراتيجية موحدة تصحح بوصلة قضيتهم المركزية.

ويبقى السؤال الأهم: ما هي الاحتمالات المتوقعة في ظل سياسات اليمين الإسرائيلي وقراءته للوضع الراهن؟ يمكن، في هذا الخصوص، بلورة أربعة احتمالات. الاحتمال الأول: استمرار إسرائيل في تغيير الأوضاع على الأرض لصالحها وعلى حساب الشعب الفلسطيني، مع الاستمرار في الاستيطان والمماطلة مع كل الأطراف. الاحتمال الثاني: تجميد الموقف وكسب الوقت، مع الدعم الاقتصادي للضفة الغربية، وهدنة طويلة الأمد مع غزة في ظل سياسة الحصار. الاحتمال الثالث: العودة إلى سيناريو ما قبل الحرب على غزة، وانهيار الهدنة واستمرار إطلاق الصواريخ ضد المستوطنات؛ ما يدفع إسرائيل إلى عمل عسكري شامل سواء ضد غزة أو الضفة أو كليهما معاً. الاحتمال الرابع: أن يبدي نتنياهو مرونة واستجابة لأطروحات الإدارة الأمريكية، وهو ما سوف يؤدي إلى تفكيك الائتلاف اليميني الحاكم في إسرائيل، ومن ثم إعادة تشكيل الحكومة (وقد ينضم إليها كاديما)، أو إجراء انتخابات مبكرة.

إن خطاب نتنياهو سالف الذكر حدد ثلاثة تحديات سياسية، وهي: التهديد الإيراني، والأزمة الاقتصادية، ودفع عملية السلام قدماً. ولكنه لن يتورع عن قلب الطاولة في ظل الضغوط التي تتعرض لها إسرائيل من قبل المجتمع الدولي. وتُترجم هذه التحديات السياسية إلى تهديدات عسكرية مباشرة موجهة إلى إيران ومشروعها النووي أولاً، ولبنان وحزب الله وغزة وحكومة حماس. ومن ثم، تزداد فرص احتمال عمل عسكري في غزة، وتهديده لدول عربية تحرك الفصائل لصالحها، في حال فشل الولايات المتحدة في احتواء هذه الدول. وهنا، يكون الشرق الأوسط مهدداً بموجة جديدة من الإرهاب الإسرائيلي، تبدأ بعمليات الطرد الجماعي تمهيدا لسيناريو الوطن البديل.

إن نتنياهو تجاوب مع طلب أوباما بالاعتراف بحق الفلسطينيين في دولة، ولكن الأخير لم يشترط وصفاً معيناً للدولة. أما وقف الاستيطان، فمسألة، كما قال نتنياهو، يمكن الحديث مع واشنطن في شأنها. وهو ما تم بالفعل مؤخراً في واشنطن، حيث كانت إسرائيل حريصة في تقديم رؤيتها على عدم إحراج أوباما. وعلى الرغم من تزايد الجهود الدبلوماسية والمفاوضات من أجل حل الدولتين، إلا أنها لم تحقق تقدماً يُذكر. إن احتمالات تحرك الإدارة الأمريكية تأتي في ظل صراع الإرادات الإقليمية وفي إطار عوامل عدة، أهمها: غياب الإرادة لدى طرفي الصراع (الفلسطيني والإسرائيلي) للتأثير على مجتمعاتهما من أجل حل وسط، وغياب الثقة بينهما، بالإضافة إلى الفوضى داخل الأراضي الفلسطينية وسيطرة الهاجس الأمني على إسرائيل.

ويرى باتريك سيل، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، أن هناك معركة إرادات بين أوباما ونتنياهو، سيتم اللجوء فيها إلى سياسة العصا والجزرة. ويشير إلى أن الولايات المتحدة تعمل على إرساء حزمة أمنية بهدف إقناع إسرائيل بأن قيام الدولة الفلسطينية، والتوصل إلى سلام مع جيرانها هي الضمان الوحيد والأفضل لمستقبل إسرائيل. ومن المتوقع أن تتضمن الحزمة ضمانات أميركية رسمية لأمن إسرائيل، ووعوداً بتقديم دعم مالي وعسكري، فضلاً عن إرسال قوة دولية لمراقبة حدود إسرائيل، وتدريب قوات الأمن الفلسطينية. لقد استمعت إسرائيل كثيراً لهذه الأطروحات من بوش الأب وكلينتون ونحّتها جانباً؛ لأنها ترى أنها الطرف الأقوى الذي ينبغي أن يملي شروطه على العرب. وفي هذا الإطار، فإن الدبلوماسية الأمريكية تعمل جاهدة لإنجاز مهمتين في آن واحد. تتمثل الأولى في تشجيع محاولة إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، والمصالحة بين حماس وفتح. وتتلخص الثانية في العمل من أجل مواجهة مراوغات كل جانب، وإقناعه بضرورة اتخاذ قرارات صعبة. في غضون ذلك، تشهد وزارتا الدفاع والخارجية الإسرائيلية نشاطاً غير مسبوق باتجاه واشنطن؛ من أجل دفع اللوبي المناصر لإسرائيل داخل الكونجرس لمطالبة أوباما بممارسة ضغوط على الدول العربية للبدء في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل‏. في هذا الصدد، وجه ‏71‏ عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي رسالة إلى أوباما، في 10 أغسطس الجاري، بهذا الشأن.

تثير هذه القراءة للتحركات الإسرائيلية في ظل استمرار الوضع الإقليمي الراهن، العديد من التساؤلات، أهمها: ما الذي يدفع إسرائيل لتقديم تنازلات في ظل استمرار هذه الحالة الإقليمية المواتية لها؟ كيف يخرج نتنياهو من مأزق (مشروع السلام الأمريكي الأوبامي) متمسكاً ببرنامجه الانتخابي الذي أعاده إلى سدة الحكم ثانية، مع الحفاظ على مؤازرة الحليف الاستراتيجي الأمريكي؟ وهل يمكن طرح سيناريو عربي لمواجهة سياسات إسرائيل في إطار الممكن بعيداً عن المستحيل، وحتى في ظل نتائج معادلة لا صفرية؟ كيف يمكن الخروج من هذا المأزق العربي القائم على شفا جرف لن يستفيد من نتائجه إلا إسرائيل؟

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات