الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية لافتتاح خط حبشان-الفجيرة

  • 12 يوليو 2012

مع افتتاح خط حبشان – الفجيرة لنقل النفط من حقول الإنتاج في إمارة ابوظبي إلى ميناء التصدير في الفجيرة على خليج عمان، تكون دولة الإمارات قد اتخذت خطوة ذات أبعاد استراتيجية واقتصادية وبيئية مهمة للغاية. ويشكل هذا الخط الممتد لمسافة 350 كيلومتراً من منابع النفط المطلة على الخليج العربي إلى إمارة الفجيرة على خليج عمان نقلة نوعية في صناعة النفط الإماراتية، إذ إنه لأول مرة ستتمكن دولة الإمارات من تصدير ما نسبته 1.5 مليون برميل يومياً، وهو ما يشكل أكثر من 50% من إنتاج النفط في الدولة من خلال هذا الأنبوب ودون المرور بمضيق هرمز الذي تحيطه به المخاطر من كل جانب، ويمر من خلاله أكثر من 30% من صادرات النفط الخام في العالم.

ومن الناحية الاستراتيجية، فإن ذلك سيجنب دولة الإمارات خطر وقف صادراتها من النفط في حالة إغلاق مضيق هرمز، والذي تهدد إيران باستمرار بإغلاقه، ولاسيما بعد أن دخل قرار الاتحاد الأوروبي بمقاطعة النفط الإيراني حيز التنفيذ اعتباراً من بداية شهر يوليو الجاري. فقد أطلقت إيران مؤخراً تهديدات جديدة بإغلاق المضيق إذا ما تأثرت بهذه المقاطعة، وذلك من منطلق وقف ليس صادرات إيران فحسب، وإنما وقف صادرات دول مجلس التعاون الخليجي؛ لمعاقبة الغرب والإضرار باقتصاداته وخلق أزمة لا يمكن للاقتصاد العالمي تحملها في ظل أزماته الحالية. وفي هذا الصدد، تقدم مجموعة من النواب بمشروع للبرلمان الإيراني يحث الحكومة على العمل لمنع مرور شحنات التفط الخام من مضيق هرمز إلى الدول التي تدعم العقوبات المفروضة على إيران. ولعل هذا يُذكِّر بتهديدات إيرانية مماثلة في أواخر ديسمبر 2011 وأوائل يناير 2012 كرد فعل على تشديد العقوبات الأمريكية والأوروبية عليها. ومن ثم، فإن افتتاح خط حبشان ـ الفجيرة، والذي سيؤدي إلى تجاوز مضيق هرمز وتقليل أهميته الاستراتيجية، إلى انتزاع ورقة ضغط قوية من طهران التي تسيء استغلالها في الوقت الحاضر.

وسيتيح افتتاح خط حبشان ـ الفجيرة تدفق معظم صادرات النفط الإماراتية، وذلك بغض النظر عن التهديدات المحيطة بمضيق هرمز، مما يشكل أهمية كبيرة ليس للاقتصاد الإماراتي فحسب، وإنما لاستقرار إمدادات الطاقة في العالم كله، والتي تشكل ضرورة موضوعية للنمو العالمي. كما أن مركز التصدير الجديد سيمنح الإمارات استقلالية شبه تامة عن مضيق هرمز، مما يضيف لصادراتها من النفط مرونة كبيرة، وهو تطور مهم لصناعة النفط الإماراتية.

علاوة على ذلك، فإن حجم الصادرات عن طريق الخط الجديد يضمن لإمارة أبوظبي خاصة، ولدولة الإمارات بشكل عام، تلبية كافة احتياجاتها المالية، وذلك بفضل العائدات المتوقعة في ظل أسعار النفط المرتفعة؛ ما يضمن بدوره استقرار معدلات التنمية وأمنها بعيداً عن التوترات المستمرة في منطقة الخليج.
وفي هذا الجانب أيضاً يتوقع أن تنخفض تكاليف نقل النفط الإماراتي، وكذلك تكاليف التأمين المرتفعة في منطقة الخليج بسبب زيادة المخاطر، مما يمنح النفط المصدر من الدولة أفضليات تسويقية ويزيد من منافسته في الأسواق العالمية، ذلك ليس بسبب تكاليف النقل والتأمين فحسب، وإنما بسبب ضمان الإمدادات أيضاً، مما سيكسب شركات النفط الوطنية المزيد من الثقة في تعاملاتها مع شركائها الدوليين.

وفي جانب اقتصادي مهم وذي مغزى، سيساهم خط حبشان ـ الفجيرة مساهمة فعالة في تقوية التنمية المتوازنة داخل الدولة، خصوصاً أن اقتصادات الإمارات الشمالية بحاجة لاستثمارات إضافية لتكون قريبة من مستويات التنمية المتحققة في الإمارات النفطية، مما يحقق أحد أهم الأهداف الاستراتيجية للتنمية المتوازنة في دولة الإمارات. وفي إطار هذا التوجه سيتم تطوير مرافق البنية التحتية في إمارة الفجيرة، ولاسيما ميناء تصدير النفط وشبكة الطرق المرتبطة به، علماً بأن هذا المشروع سيوفر مئات فرص العمل للمواطنين وبرواتب مرتفعة. كما أنه سيساهم في إنعاش قطاع الخدمات وقطاع النقل البحري على وجه التحديد، فضلاً عن التأثيرات المماثلة في إمارة أبوظبي والتي ستستفيد إلى جانب ذلك من عائدات النفط المستقرة.

أما من الناحية البيئية، فإن خط حبشان ـ الفجيرة سيقدم خدمة كبيرة للمحافظة على البيئة في منطقة الخليج التي تعبر مياهها مئات الناقلات والسفن التجارية يومياً، مما حولها إلى أكثر بحار العالم تلوثاً، علماً بأن عدد من هذه الناقلات يقوم برمي مخلفات خزاناته في مياه الخليج، مما يزيد من عملية التلوث المضرة بالبيئة وبالكائنات البحرية التي تشكل مصدراً مهماً للغذاء لسكان المنطقة. ولذلك، فإن افتتاح الخط الجديد يعني انخفاض عدد ناقلات النفط الداخلة للخليج العربي من مضيق هرمز، وبالتالي التقليل من التلوث الناجم عن مخلفات هذه الناقلات، في الوقت الذي لا يشكل فيه نقل النفط عن طريق الأنابيب تهديداً ذا أهمية للحياة الفطرية في الصحراء. كما أن التلوث الناجم عن ذلك لا يذكر، مقارنة بالمكاسب المتحققة من عملية التشغيل.

وإذا كانت هذه بعض الانعكاسات الاستراتيجية والاقتصادية والبيئية لخط حبشان – الفجيرة، فإن مثل هذا التوجه لابدّ من أن يكتسي بعداً خليجياً استراتيجياً بعيد المدى، يرمي إلى ضرورة التنسيق بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية للاستفادة من الموقع المميز لكل من دولة الإمارات وسلطنة عمان لمد مزيد من خطوط نقل النفط الخليجي إلى مواني التصدير الواقعة على خليج عمان؛ لتبقى في مأمن من التهديدات الخاصة بمضيق هرمز، ولاستثمار الإيجابيات العديدة التي يمكن جنيها من وجود شبكة خليجية متكاملة لنقل النفط والغاز.

واذا ما استثنينا المملكة العربية السعودية التي تملك خطوطاً لنقل النفط ممتدة من منطقة الخليج إلى البحر الأحمر ومتجاوزة مضيق هرمز، فإن ثلاثاً من دول المجلس، هي الكويت وقطر والبحرين، تعتمد بشكل كامل في صادراتها النفطية على المرور من خلال هذا المضيق، وذلك بالإضافة إلى الجزء الأكبر من صادرات النفط السعودية، مما يحمل معه الكثير من المخاطر وعدم الاستقرار. ومن ثم، يُوصى بتنمية الطرق البديلة المتاحة لتصدير النفط، واستكشاف المزيد منها. وفي هذا الصدد، يمكن لدول مجلس التعاون جميعاً إنشاء منفذ بحري على خليج عمان أو بحر العرب عبر أراضي الجمهورية اليمنية أو سلطنة عمان، أو إنشاء منفذ بحري على خليج عمان عبر أراضي دولة الإمارات. كما يُوصى بزيادة الطاقة الاستيعابية لخطوط الأنابيب المتوافرة والتي تتجاوز مضيق هرمز، مثل خط شمال شرق الجزيرة العربية– البحر الأحمر الذي يربط المنطقة الشرقية في السعودية بميناء ينبع على البحر الأحمر، وخط حبشان-الفجيرة نفسه. وبالنسبة للأخير، يجدر بدولة الإمارات الإسراع في زيادة طاقته الاستيعابية لتصل إلى 1.8 مليون برميل يومياً، ما يمثل نحو 70% من إنتاج الدولة النفطي، وربما إنشاء خط نفطي ثان لتصدير الكمية المتبقية.

وليس هناك من شك في أن دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة ستتلمس مدى أهمية التجربة الإماراتية الاستراتيجية والاقتصادية؛ ما قد يدفع باتجاه تبني هذه التجربة، واعتبارها أرضية قوية لربط خط نقل أنابيب النفط من حبشان بأبوظبي إلى الفجيرة بخطوط أخرى قادمة من دول المجلس. وهذا من شأنه أن يشكل نقلة نوعية ليس لصناعة النفط الخليجية وحدها، وإنما للتعاون والتكامل الخليجي، ولاستقرار الاقتصادات الخليجية التي أصبحت مركز اهتمام عالمي لما توفره من مصادر ومخزون كبير للطاقة.

Share