"الأنفلونزا المكسيكية" وتأثيرها على الاقتصادين العالمي والعربي

أحمد السيد النجار: "الأنفلونزا المكسيكية" وتأثيرها على الاقتصادين العالمي والعربي

  • 12 مايو 2009

وكأن العالم كان ينقصه "الأنفلونزا المكسيكية" الشهيرة بأنفلونزا الخنازير، حتى يأتي هذا المرض ليضيف مزيداً من المشكلات والآثار السلبية إلى الاقتصاد العالمي الذي يعاني بقوة من تأثيرات الأزمة المالية والاقتصادية العالمي، التي أدخلت هذا الاقتصاد في نفق حقيقي من الركود العميق في الاقتصاد العيني الصناعي والزراعي والخدمي.

وعند بدء الأزمة ومع توصيف منظمة الصحة العالمية الخاطئ للمرض بأنه أنفلونزا الخنازير، حدثت حالة من الهلع في المكسيك التي تملك نحو 22 مليون خنزير، وأيضاً في كل الدول التي تملك ثروة حيوانية منها، وعلى رأسها الصين التي تمتلك نحو 500 مليون رأس تمثل نحو نصف الخنازير الموجودة في العالم بأسره، والولايات المتحدة التي تمتلك نحو 70 مليون رأس، والبرازيل التي تملك حوالي 38 مليون رأس، وألمانيا التي تملك نحو 24 مليون رأس، وروسيا وبولندا وأسبانيا وبريطانيا وكندا والدانمرك، واليابان ونيجيريا وإيطاليا التي تملك كل منها بالترتيب، نحو 22، 21، 20، 14، 14، 10، 10، 8 ملايين رأس من الخنازير. وحتى البلدان التي تملك قطعاناً أقل في عددها استشعرت هي أيضاً خطراً خاصاً بسبب ربط المرض بالخنازير كمصدر وكتسمية، لكن مع اتضاح أن المرض هو عبارة عن تحور لفيروس الأنفلونزا الذي ينتقل من الخنازير للإنسان كما حدث في المكسيك، وينتقل من الإنسان للخنازير كما حدث في كندا، وينتقل من الإنسان للإنسان، بدأت حالة من الخوف الأكثر عمومية في كل دول العالم، سواء التي توجد بها خنازير، أو تلك التي لا توجد بها.

وقد ساهمت منظمة الصحة العالمية بتوصيفاتها الخاطئة للمرض، وبالحالة الانفعالية التي استقبلته بها والحديث عن احتمالات الإصابة واسعة النطاق به، والوفيات المحتملة بعشرات الملايين التي يمكن أن تحدث في حالة انتشاره كوباء، في خلق حالة من الهلع العالمي لدرجة أن بلداً مثل مصر قررت فيه السلطة التشريعية إعدام كل الخنازير التي تقدر بنحو 350 ألف رأس وفقاً للبيانات المحلية، في حين أنها تقل عن مائة ألف رأس وفقاً لبيانات منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو)، ثم عدلت السلطة التنفيذية القرار إلى الذبح، رغم أنه لا الإعدام ولا الذبح سيعنيان أن مصر أو غيرها من البلدان ستكون في منأى من الفيروس الذي هو نوع متحور من فيروس الأنفلونزا. بينما كانت مصر في حاجة، ومنذ زمن طويل، إلى نقل الخنازير خارج المدن مثلها مثل كل أنواع الماشية التي تحرم تربيتها داخل المدن، وبحاجة أيضاً إلى أن تتم تغذيتها بالأعلاف الخضراء والجافة المتوافقة مع المتطلبات الصحية، بدلاً من نمط التغذية الراهن القائم على القمامة، والذي يتنافى مع أبسط المعايير الصحية العالمية، ولا يوجد إلا في مصر والمكسيك. كما أنها بحاجة أيضاً إلى تشديد الرقابة الصحية البيطرية على كل مزارع الخنازير وغيرها من الماشية للحفاظ على صحتها وصحة البشر الذين يتغذون عليها.

وشكلت إجراءات مواجهة المرض إنذاراً لما يمكن أن تكون عليه تأثيراته الاقتصادية لو وصل إلى حالة الوباء لا قدر الله؛ حيث نصحت المكسيك مواطنيها بالبقاء في منازلهم لمدة خمسة أيام، أي أن يبقوا في حالة حظر تجول اختيارية. كما أوقفت العديد من البلدان، الرحلات الجوية مع المكسيك، التي أصيب القطاع السياحي فيها بشلل شبه كامل، سواء بسبب توقف السياحة الأجنبية بعد إلغاء جميع الرحلات السياحية إلى المكسيك ومغادرة معظم الأجانب المقيمين فيها، أو بسبب التراجع الحاد في السياحة الداخلية التي كان يفترض أن يعول عليها في تعويض تراجع السياحة الخارجية، فإذا بهما تنهاران معاً.

وكان عدد السياح الأجانب الذين تدفقوا على المكسيك قد بلغ نحو 21.4 مليون سائح، أنفقوا ما قيمته 13.3 مليار دولار في عام 2006، وفقاً لبيانات البنك الدولي في تقريره عن مؤشرات التنمية في العالم 2008. ووفقاً للمصدر نفسه، فإن عدد السياح الذين خرجوا من بلدانهم للسياحة في بلدان أخرى، بلغ 1031 مليون سائح، أنفقوا نحو 888 مليار دولار في العام المذكور. ومن المؤكد أن هذا القطاع والدخول المباشرة المتحققة من خلاله، والصناعات والخدمات المرتبطة به، سوف تتعرض لنكسة مروعة لو تحول المرض إلى وباء عالمي. وفي تلك الحالة ستتعرض اقتصادات البلدان التي تشكل السياحة قطاعاً مهماً فيها،  إلى نكسة حقيقة. يذكر أن أهم البلدان العربية المستقبلة للسياحة هي مصر والسعودية والإمارات والمغرب وتونس وسورية والأردن والجزائر ولبنان؛ حيث استقبلت هذه البلدان بالترتيب، نحو 8.7، 8.6، 7.1، 6.6، 6.5، 4.4، 3.2، 1.5، 1.1 مليون سائح عام 2006، وبلغت قيمة الإيرادات السياحية للبلدان المذكورة بالترتيب في العام نفسه نحو 8133، 4961، 4972، 6899، 2999، 2113، 2008، 184، 5491 مليون دولار.  

كما تضررت الأنشطة الخدمية المرتبطة بوجود المستهلكين في الأماكن المزدحمة مثل الطائرات والقطارات والسفن والحافلات وكل وسائل النقل العامة، والمراكز التجارية، والمطاعم ودور السينما والمسرح والأوبرا؛ حيث أصبح الوجود فيها في بلد مثل المكسيك، أمراً غير مستحب في ظل المخاوف من انتشار فيروس الأنفلونزا المكسيكية، وهكذا سيكون الأمر في أي بلد ينتشر فيه الفيروس.

ومنذ اللحظة الأولى للإعلان عن المرض بصورة انفعالية، تعرضت الصادرات المكسيكية بصفة عامة، وصادرات اللحوم والسلع الغذائية بصورة خاصة، لأزمة حقيقية، إذ لم تعد مرغوباً فيها، وحتى لو استوردتها أي دولة فإن المستهلكين فيها لن يقبلوا عليها في الوقت الراهن الذي يسود فيه انطباع عام بأن المكسيك هي مركز الأنفلونزا الجديدة. وكانت قيمة الصادرات السلعية المكسيكية قد بلغت نحو 272 مليار دولار شكلت نحو 30.6% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2007.  وبما أن قيمة الصادرات السلعية العالمية قد بلغت نحو 13.7 تريليون دولار، شكلت نحو 26.1% من الناتج العالمي عام 2007، فإن هذه الصادرات ستكون موضوعاً للتأثر بالأنفلونزا المكسيكية، في حالة تحولها لوباء عالمي. وإذا كانت تقديرات صندوق النقد الدولي المنشورة في أحدث تقرير له (IMF, World Economic Outlook, April 2009, p.205)، تشير إلى أن التجارة السلعية الدولية ستتراجع بنسبة 26.6% في العام الحالي (2009)، بالمقارنة بالعام 2008، بما يعني مرورها بأسوأ انتكاسة منذ الحرب العالمية الثانية بسبب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، فإن ردود الأفعال الدولية على انتشار الأنفلونزا المكسيكية، يمكن أن تفاقم من هذا الركود الرهيب في التجارة الدولية. ولن تكون التجارة الخدمية الدولية، أسعد حالاً، علما بأن تقديرات صندوق النقد الدولي تشير إلى أنها ستتراجع من 3819 مليار دولار عام 2008، إلى 3107 مليار دولار عام 2009، بنسبة تراجع تبلغ 18.6%.

كذلك فإن تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة عبر العالم، والتي ترتبط بوجودها المباشر في بلدان أخرى، سوف تصاب بالمزيد من التراجع، بعد أن تراجعت بنحو 18% في عام 2008 بسبب الأزمة المالية والاقتصادية العالمية.

ومن المؤكد أن تراجع التجارة الدولية في السلع والخدمات سيؤثر سلبياً على معدل النمو الاقتصادي العالمي، الذي يشير البنك الدولي إلى أنه سيكون سلبياً (-1.3%) في عام 2009. كما أن تراجع الناتج الإجمالي العالمي على ضوء تراجع التجارة الدولية سيؤدي إلى تفاقم البطالة عبر العالم بما في ذلك المنطقة العربية التي يوجد بها نحو 17 مليون عاطل بنسبة 14% من قوة العمل العربية وفقاً للبيانات الرسمية، وأكثر من ضعف هذا الرقم وفقاً للدراسات المستقلة.

ونظراً لأن الانطباع العالمي عن الأنفلونزا المكسيكية، يقوم على الربط بينها وبين الخنازير، فإن خلوّ غالبية البلدان العربية من الخنازير، سيجعلها في وضع أفضل بالذات بالنسبة للسياحة. وحتى البلدان العربية التي توجد بها أعداد قليلة من الخنازير مثل مصر ولبنان والأردن والمغرب، فإنها ستكون في وضع أفضل بالمقارنة بكثير من الدول الأخرى، في ظل حصر وجود الخنازير في مناطق محدودة.

وعلى الرغم من ضرورة اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة بحماية صحة المواطنين في كل بلد، فإن سيطرة الانفعالات في التعامل مع المرض وتهويل خطورته، ستؤدي إلى مضاعفة آثاره السلبية على الاقتصاد العالمي من دون مبرر في كثير من الحالات.

Share