الأمن المائي والغذائي في الخليج العربي: التحديات والإمكانات والحلول

  • 25 مارس 2012

لا يحتاج الحديث عن الأهمية الكبيرة لعنصر المياه إلى توكيد. فحينما خلق الله الأرض شاءت إرادته أن يكون ثلثا مساحتها ماء، وأن تكون كل المخلوقات عليها، بما فيها الإنسان، أساسها الماء، كما ورد في قوله تعالى "وجعلنا من الماء كل شئ حي". وإذا تحدثنا عن الأمن المائي والغذائي فهما مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، بل هما وجهان لعملة واحدة. فلا أمن غذائياً دون توافر متطلباته من الموارد المائية. وقد اكتسبت هذه المسألة أهمية كبيرة في السنوات الأخيرة كنتيجة للتغيّرات المناخية وموجات الجفاف والفيضانات التي ضربت العديد من المناطق، وتسببت في حدوث مجاعات ونقص في الغذاء. ولذا فإنه ليس من المبالغة الحديث عن أن الحروب القادمة ستكون حروباً وصراعات مائية للسيطرة على مصادر المياه نتيجة تزايد الفجوة بين العرض والطلب التي تجاوزت في بعض المناطق الحد الحرج.

وقد حذر "المنتدى العالمي السادس للمياه" الذي افتتح في مرسيليا (مارس 2012) من التهديد الناجم عن تزايد معدلات النمو السكاني العالمي وتفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري على موارد المياه العذبة، ما لم يتم اتخاذ إجراءات لتحسين إدارتها. وهذه المخاوف تنسحب بالضرورة على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، التي تعاني من ندرة مواردها المائية العذبة، فإجمالي عدد السكان بها (قُدر عام 2009 بـ38.9 مليون نسمة بعد أن كان قرابة 31 مليون عام 2000، وفقاً لإحصائيات الأمانة العامة لمجلس التعاون)، وهذا النمو السكاني، فضلاً عن ارتفاع مستويات الدخل والاستهلاك، مثل ضغطاً على الموارد المائية المحدودة. ورغم إعطاء أهمية كبيرة لترشيد استهلاك الموارد المائية والنهوض بقطاع الزراعة، فإن الحاجة إلى البحث عن حلول وموارد جديدة لا يزال يحتاج إلى جهود أكبر للتعامل مع هذه الإشكالية.

ووفقاً للبيانات المتاحة، يبلغ متوسط نصيب الفرد السنوي من المياه العذبة في دول مجلس التعاون الخليجي حوالي 150 متر مكعب، الأمر الذي يجعل دول المجلس تقع، ليس فقط تحت خط الفقر المائي (أقل من 1000 متر مكعب للفرد في العام)، بل أيضاً تحت خط الفقر المائي المدقع أو الحاد (أقل من 500 متر مكعب للفرد في العام). وبحسب توقعات النمو السكاني في هذه الدول يمكن أن يهبط متوسط نصيب الفرد من المياه إلى ما يقرب من 50 متراً مكعبأ بحلول العام 2050. (وليد زباري، التحديات البيئية في دول مجلس التعاون– المياه، صحيفة الوسيط، الأحد 13 يناير 2008).

وكنتيجة للمعطيات الجغرافية والبيئية الصعبة التي تشهدها المنطقة، إضافة إلى حالة التصحر التي تعاني منها دول مجلس التعاون، بدأت هذه الدول تعاني من فجوة غذائية متزايدة. حيث ارتفعت قيمتها من حوالي 4 مليارات دولار عام 1990، إلى نحو 5.53 مليار دولار عام 2000، وقفزت إلى حوالي 7.8 مليار دولار عام 2005، ثم إلى 8.4 مليار دولار عام 2006، وذلك وفقاً لبيانات المنظمة العربية للتنمية الزراعية. ثم قدرت بأكثر من 12 مليار دولار عام 2010 طبقاً لبيانات الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي. وتواجه دول المجلس معضلة من نوع خاص، فالتوسع الزراعي فيها بغرض تقليص فجوة الأمن الغذائي يزيد من حدة النقص المائي.

ونظراً للظروف المناخية القاسية ومحدودية رقعة الأراضي الصالحة للزراعة والفقر المائي الذي تعانيه، تقوم دول مجلس التعاون الخليجي بجهود مضنية ومستمرة في مجال ترشيد استهلاك المياه مثل التوسع في إقامة السدود لاستثمار مياه الأمطار بشكل كامل، والحد من الزراعات المكشوفة والمحاصيل الشرهة في استهلاك المياه كالقمح والأعلاف، والتوسع في إنشاء محطات تحلية المياه، كما يوجد مشروع للربط المائي فيما بينهما. ورغم هذه الجهود، فإن الميزان المائي لدول مجلس التعاون في ضوء تقديرات الطلب على المياه يعاني خللاً واضحاً، فمن المقدر أن يصبح العجز المائي خلال أعوام 2020، 2030، 2040، 2050 نحو 26، 35، 46، 60 مليار متر مكعب على التوالي (رضا الشمري، تحديات البيئة الطبيعية، 2001)؛ ولهذا أصبح هدف تحقيق الأمن المائي من أهم ما يشغل المسؤولين والمخططين الخليجيين.

وتجدر الإشارة إلى أن المياه الجوفية هي أهم مصدر للمياه في دول مجلس التعاون، لكن هذا المصدر المهم يواجه تحديات عديدة؛ لأن الكمية المستخرجة من المياه الجوفية أكبر بكثير من كمية إعادة التغذية، فضلاً عن أن بعض خزانات المياه الجوفية بدأت في النضوب بسرعة. وتقدّر كمية التغذية للخزانات الجوفية في دول التعاون بحسب بعض المصادر بنحو 4875 مليون متر مكعب سنوياً في العام 2010، في حين أن كميات السحب المستمرة وغير المخططة من الخزانات الجوفية، بلغت 19572 مليون متر مكعب سنوياً في هذا العام، ما يعني أنها تجاوزت معدل التغذية بما يقدّر بنحو 14697 مليون متر مكعب، الأمر الذي دفع دول المجلس إلى البحث عن وسائل أخرى بديلة لحل أزمتها المائية، من بينها معالجة مياه الصرف الصحي والصناعي الزراعي، وتقنيات الحد من التبخر والنتح، وتقنية استمطار السحب، واستخدام أساليب الزراعة الحديثة وغيرها. غير أن حجم ما توفره هذه الوسائل يعد ضئيلاً مقارنة بحجم الاحتياجات المائية المتزايدة.

هذا الوضع دفع دول المجلس إلى التوسع في تقنية تحلية مياه البحر لسد احتياجاتها المائية المتزايدة رغم التكلفة المرتفعة لهذا الخيار، فوقوع دول المجلس جميعها على البحار ووفرة رؤوس الأموال لديها ساعدها على إقامة مئات من محطات تحلية المياه قدر ما تنتجه بنحو 60% من الإنتاج العالمي من المياه المحلاة. وأصبح هذا المصدر أحد الموارد الرئيسية للمياه في المنطقة في الفترة الأخيرة. وهو ما يفسر قلق دول مجلس التعاون الخليجي الشديد من إقامة إيران مفاعلات نووية مطلة على مياه الخليج، وفي مقدمتها مفاعل بوشهر. وهو قلق مبرر من إمكانية حدوث أي تسرب إشعاعي من هذه المفاعلات لمياه الخليج العربي، التي يتم الاعتماد عليها في إنتاج المياه المحلاة أو في استغلال ثروتها السمكية لسد فجوة الغذاء.

وقد أعطت دول المجلس اهتماماً خاصاً للجهود المشتركة للنهوض بقطاع الزراعة كمدخل أساسي لتحقيق الأمن الغذائي، فتّم اعتماد استراتيجية موحدة تعتمد على الاستخدام الأمثل للموارد المتاحة وتحقيق التكامل الغذائي من مصادر وطنية، كما ركزت الصيغة المعدّلة للسياسة الزراعية المشتركة على تعزيز خطط التنمية الذاتية وزيادة الإنتاج وتشجيع المشروعات المشتركة بمساهمة من القطاع الخاص. وتهدف هذه السياسة إلى تحقيق أعلى مستويات ممكنة من الاكتفاء الذاتي، وفقاً لمبدأ المزايا النسبية في الإنتاج النباتي والحيواني والداجني والسمكي. وقد شهد التعاون الزراعي تطورات إيجابية مهمة في السنوات الأخيرة تمثلت في إقامة العديد من النشاطات والبرامج الزراعية المشتركة، وتوجت جميعها بصدور قوانين (أنظمة) مشتركة أقرتها القمم الخليجية، كما أقرت لجنة التعاون الزراعي العديد من التشريعات والتنظيمات التي عززت من التعاون الزراعي المشترك. كقانون نظام الحجر الزراعي، ونظام الأسمدة ومحسنات التربة الزراعية، وقانون نظام المبيدات ونظام البذور والتقاوي وغيرها.

كما تم اتخاذ تدابير من شأنها تحقيق التكامل في المواد الغذائية بين دول المجلس بحيث يتم تداول المواد الغذائية بينها بيسر وسهولة لبناء مخزون غذائي احتياطي مشترك للطوارئ، كما تم التوسع في استثمار الثروة السمكية في المساحات المائية البحرية الكبيرة التي تقدر بأكثر من 400 ألف كيلو متر مربع، وتبلغ إجمالي أطوال سواحلها حوالي 6000 كيلومتر، وهو ما أسهم في سد جانب من الفجوة الغذائية في دول المجلس، ورغم كل الجهود المبذولة والدعم المالي المتزايد للقطاع الزراعي فإن زيادة قدراته في إنتاج الغذاء ظل محكوماً بالظروف الطبيعية.

ومع عدم التقليل من أهمية الجهود الذاتية والمشتركة التي بذلتها دول مجلس التعاون الخليجي في هذا الصدد، فإننا نلاحظ تغيّر مفهوم التعامل مع التحديات المائية في عالم اليوم، والتي جعلت عملية إدارة الموارد المائية تتم تحت درجة عالية من عدم التأكد، ولاسيما في دول مجلس التعاون الخليجي، فضلاً عن بروز مفهوم الإدارة المتكاملة للموارد المائية الذي يطالب بضرورة معالجة مشكلات قطاع المياه في الإطار الكلي المتداخل مع كل قطاعات الاقتصاد القومي. كما اتجهت دول مجلس التعاون الخليجي منذ فترة إلى نهج جديد يتمثل في الاستثمار الزراعي في دول أخرى خارجية، عربية وأجنبية، كخيار استراتيجي يهدف إلى تأمين الإمدادات الغذائية لدول المجلس. ومن أمثلة ذلك توجّه دولة الإمارات العربية المتحدة للاستثمار في مشروعات زراعية في باكستان وتايلاند لزراعة الأرز، وقيام صندوق أبوظبي للتنمية بإقامة مشروع زراعي ضخم في جمهورية السودان على مساحة تبلغ 70 ألف فدان، ويقع في ولاية نهر النيل، يركز على زراعة الأعلاف، بغرض تصديرها إلى دولة الإمارات العربية المتحدة. وتوجهت دولة قطر وسلطنة عمان والمملكة العربية السعودية أيضاً، إلى الاستثمار في دول جوار عربية أو دول أجنبية تملك إمكانيات زراعية كبيرة. ويرى بعض الخبراء ضرورة دمج تلك المبادرات في تحرك جماعي خليجي بدلاُ من تركها كمبادرات أحادية قطرية، وذلك بتوقيع اتفاقيات لتأمين السلع مع دول منشأ الغذاء.

هذه الحلول بطبيعة الحال تستهدف الوصول إلى حلول إضافية يمكن الاستفادة منها في تعظيم الجهود التي تبذلها دول مجلس التعاون الخليجي بالفعل لتحقيق الأمن المائي والغذائي الخليجي، وما يدعو للتفاؤل أن تحقيق هذا الهدف بات يشكل أولوية مهمة على أجندة كافة دول المجلس.

Share