الأمن المائي لمصر والسودان بعد إخفاق جولة شرم الشيخ

  • 30 أبريل 2010

لا شك في أن الجولة الأخيرة من المفاوضات حول الاتفاقية الإطارية للعلاقة بين دول حوض النيل التي عقدت في منتصف أبريل 2010 قد مثلت إخفاقاً للسياستين المصرية والسودانية في هذا الصدد، واللتين دأبتا منذ بداية جولات التفاوض على التمسك بموقف واحد باعتبار أن مصر والسودان هما دولتا المصب. ويقوم هذا الموقف على أساس رفض توقيع الاتفاقية الإطارية ما لم تتضمن ثلاث نقاط محددة تتعلق أولاها بوجود نص صريح في الاتفاقية يضمن عدم المساس بالحصص الحالية لمصر والسودان من مياه النيل، والثانية الإخطار المسبق عن أي مشروعات تقوم بها دول أعالي النيل، والثالثة أن يكون تعديل الاتفاقية أو ملاحقها بالإجماع وليس بالأغلبية، وفى حالة إقرار مبدأ الأغلبية يجب أن تشمل دولتي المصب أي مصر والسودان.

غير أن جولات التفاوض امتدت في 2009 ابتداء من جولة كينشاسا في مايو والإسكندرية في يوليو، ثم كمبالا في سبتمبر، ودار السلام في ديسمبر، إلى أن تمت الجولة الأخيرة في شرم الشيخ في أبريل 2010. وعبر هذه الجولات الممتدة لم يتمكن المفاوضان المصري والسوداني من زحزحة دول المنبع السبع عن موقفها بحيث وصلنا في شرم الشيخ إلى إعلان الدول السبع عن السير قدماً بشكل منفرد في توقيع الاتفاقية الإطارية اعتباراً من 14 مايو 2010 ولمدة عام، وهذا هو المقصود بالإخفاق المحدد للسياستين المصرية والسودانية في إدارة ملف مياه حوض النيل.

يعني الإخفاق السابق أن السياستين المصرية والسودانية لم تكونا في هذا السياق على الأقل ذواتي تأثير يذكر على دول المنبع السبعة. ولاشك في أن السودان، وبصفة خاصة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، يواجه استحقاقات داخلية خطيرة فيما يتعلق بحل مشكلة العلاقة بين الشمال والجنوب، وهو الحل الذي تم التوصل إليه في 2005 بموجب اتفاقية منحت الجنوبيين حق تقرير المصير بعد ست سنوات أي في العام القادم 2011، ولما كان انفصال الجنوب عن الشمال هو السيناريو المرجح حتى الآن فإن ثمة أولويات أخرى خطيرة غير مسألة المياه تواجه حكام السودان. من ناحية أخرى فإن مشكلة دارفور التي استنزفت السودان سنوات طويلة، واستدعت تدخلات إقليمية وعالمية بلا حدود، ما تزال تمارس تأثيراتها السلبية على الوضع في السودان، ويضاف إلى ذلك استحقاق الانتخابات التي جرت مؤخراً في السودان دون أن تحدث تأثيراً إيجابياً على الساحة السياسية هناك، وكل ما سبق عوامل أضعفت، دون شك، التأثير السوداني في الساحة الأفريقية عامة وفي دول الحوض خاصة.

أما السياسة المصرية فقد غابت عن الساحة الأفريقية تدريجياً. كانت مصر إبان حكم جمال عبد الناصر (1952-1970) قوة إقليمية قائدة في أفريقيا، واحتلت الدائرة الأفريقية المكانة الثانية في سياسة مصر الخارجية في فكر عبد الناصر الذي أتبع ذلك بسياسة فعالة تقوم على مساندة حركات التحرر الوطني في القارة على امتدادها، بالإضافة إلى ممارسة نشاط اقتصادي وثقافي منظم جعل لمصر دوراً قيادياً أفريقياً، اتضحت معالمه بصفة خاصة بعد حصول الدول الأفريقية على استقلالها في عقد الستينيات من القرن الماضي. وفي عهد أنور السادات (1970-1981) تحولت توجهات السياسة الخارجية المصرية على نحو واضح، وإن بقيت مؤثرة نوعاً ما بحكم قوة الدفع القديمة، ثم قيض للملف الأفريقي في الخارجية المصرية أن يصبح منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي وحتى منتصف تسعينياته في عهدة د.بطرس غالي الذي كان يؤمن بأن أفريقيا تمثل الدائرة الأولى وليست الثانية بالنسبة لسياسة مصر الخارجية، وفي هذا الإطار قام بجهد دبلوماسي ضخم أسفر عن تعزيز شبكة العلاقات المصرية-الأفريقية بشكل واضح.

ومع اختيار د.بطرس غالي أميناً عاماً للأمم المتحدة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، فقد الملف الأفريقي في مصر أهم شخصية معنية به، وخلف د.بطرس غالي في مهمته دبلوماسيون دون المستوى الوزاري لا يؤمنون بالضرورة بالأهمية الحيوية لأفريقيا بالنسبة لمصر، وزاد على ذلك أن هذا التطور تزامن تقريباً مع تعرض الرئيس حسني مبارك لمحاولة اغتيال في أديس أبابا في 1995، وبعدها تقلص الحضور المصري الرئاسي في القمم الأفريقية على نحو لافت. ولا شك في أن هذا كله قد أعطى الانطباع للدول الأفريقية بأن مصر لم تعد تهتم بها، في الوقت الذي استمرت فيه الجهود الإسرائيلية الدؤوبة لترسيخ أقدام إسرائيل في أفريقيا، وتعاظم التنافس الدولي داخلها، وهكذا أصبح الحضور المصري في هذه القارة أثراً بعد عين.

وبغض النظر عن تفسير الإخفاق فإن حديث المستقبل الآن هو الأهم، وهو ما يحيلنا إلى بدائل الحركة المتاحة، ولأنه لم يرشح شيء محدد من الساحة السودانية فسوف يتم التركيز على الجدل الرسمي/غير الرسمي الدائر الآن في الساحة السياسية المصرية حول هذا الشأن. وثمة اضطراب ظاهر في هذا الصدد، وقد لجأت السياستان المصرية والسودانية إلى الدبلوماسية الرئاسية بمعنى إرسال رسائل لرؤساء دول الحوض تحاول حل المشكلة، ولا يوجد ما يضمن أن تنجح هذه الدبلوماسية في ظل استفحال الخلاف على هذا النحو، وفى المدى الأطول لا بديل عن تفعيل السياسة المصرية في أفريقيا كافة، وفي دول الحوض بصفة خاصة، بحيث تمثل هذه السياسة حال نجاحها سنداً للتحركات المصرية في ملف المياه، ولا تبدو وقتية تزدهر كلما ظهرت مشكلة، وتختفي بتوهم اختفاء المشكلة؛ لأن الخطر هنا أنها قد تشجع على "ابتزاز" دول المنبع لمصر.

ولأن هناك من يركز بشدة على الدور الإسرائيلي فيما وقع فمن المهم أن يجري تقييم جاد وموضوعي للموقف يفترض أن تترتب عليه، إن تم التأكد من أن إسرائيل تحاول بالفعل إصابة المصالح المصرية العليا في الصميم على هذا النحو، إعادة توجيه بالكلية للسياسة المصرية تجاه إسرائيل. من ناحية أخرى فإن هناك من الخبراء ذوي الثقل في الشأن الأفريقي من يركز على أن البنك الدولي هو أس البلاء كله بما يطرحه في منطقة حوض نهر النيل من مشروعات استثمارية كبرى للدول الأوروبية والشركات الأمريكية متعددة الجنسية ومن خلالها يمكن أن يتعاظم الدور الإسرائيلي، فضلاً عن أنه صاحب فكرة تسعير المياه، ومن ثم فهو الأجدر بالمواجهة.

يبقى بعد ذلك حديث القوة، وقد بدا وكأن صبر المفاوض المصري قد نفد في أعقاب جولة شرم الشيخ، فصرح المتحدث الرسمي باسم الوفد المصري بأن مصر لديها من الإمكانات والوسائل "التي تمكنها من الرد بقوة على أي مواقف تؤثر على حصتها التاريخية من مياه النيل". وقد عزز عدد من الخبراء بصفة عامة بديل القوة العسكرية دون دراية، ومن اللافت أن الخبراء العسكريين كانوا هم الذين رفضوا هذا البديل الذي يستند إلى ذراع مصرية طويلة تصل إلى أي مشروع يهدد مصالحها في أعالي النيل. ذلك أن تسارع الحديث عن القوة لم يتوقف عند حسابات مسارح العمليات البعيدة الذي سيتعين على القوات المصرية أن تصل إليها، وإن كان هناك من قد تحدث عن امتلاك مصر ترسانة صاروخية، يمكنها أن تصل إلى أي مكان في دول الحوض (يفترض بالطبع أن تكون شديدة الدقة). ولم يتوقف أحد كذلك عند الحسابات الإقليمية والعالمية، فمن قال إن إسرائيل سوف تقبل بسهولة أن تبني مصر هذا الذراع العسكري القوي وتثق أنه موجه بالضرورة إلى دول الحوض؟ ومن قال إن القوى الدولية سوف تسكت عن هذا؟ المسألة، إذن، تقتضي حسابات معقدة، لا تتناسب مع الخفة التي سارع بعضهم بها إلى الحديث عن البديل العسكري. وليست هذه دعوة إلى الضعف بل إلى التبصر، ولاسيما أن عدداً من الخبراء يرى أن أمامنا سنوات طويلة كي تبدأ المشروعات التي نفترض أنها ستضر بنصيبنا من المياه في التأثير على حصتي مصر والسودان بالفعل، ومن ثم فإن فهماً أفضل لما جرى مطلوب دون شك، وتفكيراً أعمق في بدائل الحركة لابد أن يحل محل الأفكار الهوجاء، ورؤية أشمل للسياسة المصرية في أفريقيا بصفة خاصة يجب أن تكون موضع اهتمام الجميع من أجل مستقبل مضمون للأمن المائي في كل من مصر والسودان.

Share