الأمن الغذائي العالمي والعربي.. الواقع والتحديات

أحمد السيد النجار: الأمن الغذائي العالمي والعربي.. الواقع والتحديات

  • 25 يونيو 2008

أصبحت قضية تحقيق الأمن الغذائي تمثل هماً حقيقياً لكل الدول المعنية بها، بعد أن شهدت أسعار السلع الغذائية في العالم قفزة هائلة منذ العام الماضي وحتى الآن، بصورة جعلت كثيراً من الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل غير قادرة على الوفاء بالاحتياجات الغذائية لسكانها، الأمر الذي عرض قطاعات واسعة من السكان، لاسيما في البلدان الأكثر فقراً، للجوع الجزئي المستمر وانتفاضات الخبز، وأيضاً لنذر المجاعات الجماهيرية واسعة النطاق.

وقد بدأ بعض الخبراء "يبشرون" بعجز غذائي تاريخي، وبانتشار المجاعات على نطاق واسع، وعادت الأفكار المالتوسية للظهور من جديد في تحليل الأزمة، تلك الأفكار التي كانت "تبشر" بحدوث مجاعة عالمية بسبب تزايد السكان بصورة أسرع من تزايد إنتاج الغذاء، متجاهلة أن الزيادة السكانية وما تنطوي عليه من زيادة قوة العمل، تعني في النهاية زيادة أهم عناصر الإنتاج، ومتجاهلة أيضاً، إمكانيات التوسع الأفقي في الزراعة وإنتاج الغذاء، والتوسع الرأسي عبر توظيف العلم في رفع إنتاجية الأرض والسلالات الحيوانية من الغذاء.

وقد عزز ارتفاع أسعار السلع الغذائية بقوة من هذه النظرة التشاؤمية؛ فخلال الاثني عشر شهراً الأخيرة، ارتفعت أسعار كل السلع بما فيها السلع الغذائية مقومة بالدولار، في الأسواق الدولية بنسبة 27.3%، بينما ارتفعت أسعار السلع الغذائية في الأسواق الدولية، مقومة بالدولار بنسبة 54.9%، في حين ارتفعت أسعار كل السلع الصناعية بنسبة 2.4% فقط. أما إذا تم تقويم أسعار السلع باليورو، فإن معدل ارتفاع أسعار السلع كلها بما فيها السلع الغذائية بلغ 9.5% فقط، أي ما يزيد قليلاً على ثلث معدل ارتفاع أسعار هذه السلع لدى تقويمها بالدولار، وهو ما يعني أن الدول التي يسيطر الدولار على احتياطياتها العامة والأرصدة الخاصة فيها، قد تعرضت لمعاناة ارتفاع أسعار السلع الغذائية بصورة أكبر من الدول التي يهيمن اليورو على احتياطياتها وتسوي التزاماتها الدولية به. ولكن هل المشكلة في نقص المعروض من الغذاء؟.

 إذا نظرنا إلى تطور إنتاج المحاصيل الزراعية الغذائية سنجد أن إنتاج العالم من الحبوب ارتفع من 1.5 مليار طن في عام 1980، إلى 2.3 مليار طن عام 2004، بزيادة نسبتها 53.3%، فيما تشير التقديرات إلى ارتفاع حجم الإنتاج العالمي من الحبوب خلال العام الماضي بنسبة 60% عن مستواه عام 1980. كما زاد إنتاج الفواكه والخضروات من 630 مليون طن عام 1980، إلى 1384 مليون طن عام 2004، بزيادة نسبتها 119.7%، وبلغ الإنتاج نحو 1500 مليون طن في العام الماضي، بزيادة نسبتها حوالي 138% عن عام 1980. أما اللحوم فقد ارتفع إنتاج العالم منها من 136 مليون طن عام 1980، إلى 260 مليون طن عام 2004، بزيادة نسبتها 91.2%. في المقابل ارتفع عدد سكان العالم بنسبة 45% فقط خلال الفترة بين عامي 1980 و2005. وهذا يعني أن معدل نمو إنتاج الغذاء يزيد كثيراً عن معدل نمو السكان، بصورة تسمح بالوفاء بالاحتياجات الغذائية لسكان العالم بمستوى أعلى كثيراً عما كان متحققاً عام 1980.

ويطرح هذا الأمر التساؤل حول طبيعة وسبب الأزمة الغذائية العالمية الراهنة. والحقيقة أن الأزمة ليست أزمة عجز إنتاج عالمي في مجال السلع الغذائية بصورة أدت لارتفاع الأسعار، بل هي أزمة اختلال بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك، وأزمة تركيب محصولي مختل في بعض البلدان، وأزمة سوء تصرف متعمد في الإنتاج الزراعي. أما أزمة الاختلال بين مناطق الإنتاج والاستهلاك؛ فتتجسد في أن الدول التي تملك الإمكانيات الزراعية الكبيرة من أراضي صالحة للزراعة ومياه وأيدي عاملة وتقنيات حديثة، ليست هي بالضرورة الأكثر احتياجا للمحاصيل الزراعية عامة والغذائية بصفة خاصة، مما خلق مناطق وفرة زراعية وغذائية يساء استخدامها، ومناطق عوز وحاجة وفاقة بسبب الاختلالات في توزيع الموارد الزراعية، والتباين الكبير في كفاءة وفعالية استخدام الموارد المتاحة من دولة لأخرى.

 أما الاختلالات في التركيب المحصولي فتتجسد في أن دولاً شديدة الثراء، هي الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وأستراليا، والتي من المفترض أن تركز على زراعة الخضر والفاكهة ومحاصيل الأعلاف من أجل الثروة الحيوانية والداجنة، تركز بدلاً من ذلك على إنتاج الحبوب وتقديم الدعم لمزارعيها بصورة جعلتها تسيطر على ما يتراوح بين 70% و75% من صادرات الحبوب العالمية، في حين أن دولاً فقيرة أو متوسطة الدخل تركز على إنتاج وتصدير الخضر والفاكهة وتعتمد في سد جانب كبير من احتياجاتها من الحبوب على الاستيراد من الخارج. وفي إطار هذا الخلل نجد أن دولة مثل الولايات المتحدة تنتج نحو 17.2% من الإنتاج العالمي للحبوب، بينما تنتج 5% من الإنتاج العالمي للخضر والفاكهة، وبالمقابل فإن الدول العربية تنتج نحو 2.1% من الإنتاج العالمي للحبوب، وتنتج نحو 4.7% من الإنتاج العالمي للخضر والفاكهة. ونتيجة لهذا الخلل فإن الدول العربية أصبحت في مجموعها من كبار مصدري الخضر والفاكهة، وأصبحت في الوقت نفسه أكبر مستورد للحبوب في العالم وضمن البلدان الأكثر تعرضاً للأزمة الغذائية العالمية الراهنة. وهناك عجز في التجارة الخارجية الزراعية العربية تجاوز 40 مليار دولار في العام الماضي بعد الارتفاعات الكبيرة في أسعار السلع الغذائية وبالذات الحبوب التي تتصدر الواردات الغذائية العربية.

 وقد أدى هذا الخلل، لدى ارتفاع أسعار الحبوب، إلى أزمة غذائية طاحنة في الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل المعتمدة على استيراد الحبوب من الخارج. وهي أزمة تقع مسؤوليتها بالأساس على عاتق حكومات تلك الدول التي لم تقم بوضع وتنفيذ خطط فعالة لرفع مستوى اكتفائها الذاتي من الغذاء، دون الوقوع في فخ التلاعب في الأسعار الذي تقوم به الدول الكبرى المصدرة للحبوب التي تتعمد زيادة الدعم لمزارعيها لتمكينهم من تخفيض أسعارها كلما تصاعدت برامج الاكتفاء الذاتي من الحبوب في الدول الفقيرة والنامية المستهلكة الرئيسية للحبوب، وذلك لإحباط تلك البرامج.

أما أزمة سوء التصرف المتعمد في السلع الغذائية، فإن قيام الدول الكبرى بإعدام جزء من إنتاجها من اللحوم أو الزبد أو الحبوب بهدف المحافظة على الأسعار، هو أسوأ وأوضح نموذج تم استخدامه تاريخياً في هذا الصدد. أما الآن فإن استخدام المحاصيل الزراعية في إنتاج الوقود الحيوي هو أكثر أشكال الإهدار لهذه المحاصيل. وقد استخدمت الولايات المتحدة التي تنتج 41.4% من الإنتاج العالمي من الذرة نحو ربع إنتاجها منها في إنتاج الوقود الحيوي وأشعلت أسعارها في السوق الدولية. وللعلم فإن ذلك الإنتاج للوقود الحيوي من الذرة تم من خلال تقديم دعم كبير للمزارعين الأمريكيين؛ لأن هذا الإنتاج كان غير اقتصادي. لكن مع استمرار ارتفاع أسعار النفط فإن إنتاج الوقود الحيوي من الذرة والمحاصيل الزراعية الأخرى سيصبح اقتصادياً وتنافسياً، مما يستلزم من الدول المصدرة للنفط أن تعيد حساباتها وتعمل على ضبط الأسعار بصورة تبقي النفط في وضع تنافسي متفوق، وتجعل إنتاج الوقود من المحاصيل الزراعية غير مجد اقتصادياً.

 وعلى مستوى العالم العربي، ارتفع عدد السكان بنسبة 121.9% بين عامي 1975، 2005. في حين ارتفع الإنتاج الغذائي العربي بنسبة 93% للحبوب، و118.8% للخضروات والفاكهة، ونحو 147.6% للحوم تقريباً في عام 2004 مقارنة بعام 1980. أي إن النمو في الإنتاج الزراعي العربي يتركز في اللحوم نتيجة ارتفاع مستويات المعيشة وتغير نمط الاستهلاك، وأيضاً في الخضر والفاكهة التي يزيد الإنتاج العربي منها عن احتياجات الاستهلاك ويتم تصدير كميات كبيرة منها للخارج، وبالمقابل فإن إنتاج الحبوب ينمو بمعدلات أقل من معدلات نمو الطلب العربي عليه، مما خلق حالة من الانكشاف العربي في هذا الصدد بسبب الاعتماد الكبير على الخارج في سد الحاجات الأساسية من الحبوب.

وهناك إمكانيات زراعية كبيرة في الوطن العربي يمكن توظيفها بصورة تحقق الأمن الغذائي العربي من ناحية، وتشكل رافعة للنمو والنهوض الاقتصادي من ناحية أخرى. وعلى سبيل المثال هناك مساحات شاسعة من الأراضي القابلة للزراعة في البلدان العربية لم تستغل حتى الآن بالذات في السودان الذي يملك قرابة 80 مليون فدان من الأراضي القابلة للزراعة وتتوفر لديه المياه لزراعتها لكنه يفتقد إلى التمويل المتوفر بكثافة في البلدان العربية المصدرة للنفط والغاز في ظل الطفرة النفطية الراهنة. كما أن بلدان شمال إفريقيا تسقط عليها كميات معقولة من المطر، لكنها تتبدد بالبخر والتسرب بسبب عدم وجود شبكة كافية من السدود الصغيرة والخزانات لاحتجازها واستخدامها في الزراعة، مما يعني أن تطور وتكامل الجهود العربية في هذا الاتجاه على أساس تبادل المصالح، يمكن أن يؤدي إلى توفير المياه الضرورية للتوسع الزراعي القائم على الري، علما بأن إنتاجية الزراعة المروية مستقرة وتبلغ أضعاف إنتاجية الزراعة المطرية. وتعد سيادة الزراعة المطرية في أكثر من ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية في الوطن العربي سبباً رئيسياً في تدني إنتاجية الزراعة العربية، لدرجة أن دولة عربية واحدة تعتمد كلياً تقريباً على الزراعة المروية، هي مصر تنتج وحدها نحو 48% من الإنتاج العربي من الحبوب، ونحو 40% من الإنتاج العربي من الخضر والفاكهة، وتنتج عموما قرابة 38% من الإنتاج الزراعي العربي من مساحة تقل عن 5% من الأراضي الزراعية في الوطن العربي.

ومن ناحية أخرى فإن الاهتمام بالبحث والتطوير العلميين وما يمكن أن يؤدي إليه من تحسين للمحاصيل وسلالات الماشية، يمكن أن يؤدي إلى زيادة الإنتاج الزراعي ودعم الأمن الغذائي العربي. فالدول العربية أنفقت إجمالا أقل من 0.2% من ناتجها المحلي الإجمالي على البحث العلمي، مقارنة بنحو 2.28% على الصعيد العالمي خلال الفترة من 2000- 2004، وهو أمر يحتاج لتغيير جوهري وتعاون بين البلدان العربية لتوظيف العلم ونتائجه في رفع إنتاجية الأرض الزراعية وسلالات الماشية والدواجن ومكافحة الأمراض والآفات في البلدان العربية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات