الأقصى خط أحمر

  • 23 يوليو 2017

لا شك في أن مشاهد القهر والظلم، التي تعجُّ بها مدينة القدس الشريف على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، الذي يسعى إلى تنفيذ مخططاته لتهويد القدس بالكامل، واغتصاب الحق العربي والإسلامي والمسيحي في مقدسات المدينة الغالية على قلب كل عربي ومسلم ومسيحي، هي مثار حزن وقلق وأرق لكلِّ أحرار هذا العالم الذين ينشدون عالماً ملؤه السلام والتعايش لشعوب المعمورة أجمع، بل هي ناقوس خطر يُدَقُّ في القدس، وتتعالى أصداؤه حول العالم؛ منذرة بأن الانتهاك الإسرائيلي الأخير الخطِر بحق المسجد الأقصى المبارك من شأنه أن يفجِّر الأوضاع بمنطقة الشرق الأوسط الملتهبة أصلاً على نحو لا يمكن لأحد التنبؤ بمآلاته وويلاته.

ولا يغفل أحد كون الانتهاكات الإسرائيلية، خلال انشغال العالم بما أفرزته السنوات العجاف لما يُسمَّى «الربيع العربي» من أزمات متفاقمة، آخذة في التصاعد على نحو غير مسبوق؛ فبمكر إسرائيلي معهود، وعلى نار هادئة من المؤامرات، استطاعت حكومة رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، أن تتغلغل في عمق الوجود الفلسطيني توسُّعاً واستيطاناً وهدماً وقمعاً وقوانين تهويدية خطِرة؛ ضمن محاولاتها المستميتة لفرض أمر واقع جديد على الأرض، ضاربة عرض الحائط بكل الأسس والمرجعيات الثابتة التي أقرَّتها الشرعية الدولية في هذا الصدد، ومتعديةً بكل سفور على مسار السلام الذي يتفق المجتمع الدولي على أنه المسار الأمثل لحل الصراع العربي-الإسرائيلي، واستعادة الفلسطينيين حقوقهم. إلا أن التصعيد غير المسبوق، الذي تقوم به حكومة نتنياهو ضد القدس ومقدساتها، وتجرُّؤها على تأجيج غضب مليار ونصف المليار مسلم بإقدامها على إغلاق المسجد الأقصى، ومنع إقامة صلاة الجمعة فيه لأول مرة منذ عام 1969، وفتحه أمام صولات قطعان المستوطنين المدنسين وجولاتهم، ثم محاولاتها فرض معادلة جديدة بإذلال المقدسيين وقاصدي الأقصى من المصلين بإجبارهم على الخضوع لبوابات التفتيش الإلكترونية، هو الانتهاك الإسرائيلي الأخطر منذ عقود؛ فهو أخطر من الاقتحام الذي قام به أرييل شارون، وأسفر عن اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000؛ ما ينذر بجر المنطقة، بل العالم بأسره، إلى فصل قاتم من الصراعات الدينية التي لا يختلف الخبراء في أنها أخطر أنواع الصراعات على امتداد التاريخ؛ إذ يبدو أن حكومة نتنياهو لا تعي، أو ربما لا تريد أن تعي، أن الأقصى خط أحمر تجاوزُه يعني المقامرة بمستقبل المنطقة وشعوبها.

إن دولة الإمارات العربية المتحدة؛ وانطلاقاً من موقفها الراسخ الشامخ في نصرة الأشقاء الفلسطينيين والوقوف تاريخياً، رسمياً وشعبياً، إلى جانب قضيتهم العادلة وحقوقهم الثابتة من جهة، وإدراكاً منها للمآلات الكارثية على أمن المنطقة واستقرارها، التي سيفرزها تواصُل الاعتداء على المقدسات الدينية من جهة ثانية، برزت في موقف لافت يواكب خطورة المشهد المقدسي والفلسطيني، حيث أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، ومعالي أيمن الصفدي، وزير الخارجية وشؤون المغتربين في المملكة الأردنية الهاشمية الشقيقة، ضرورة فتح المسجد الأقصى كلياً وفورياً أمام المصلين، واحترام إسرائيل الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات، وبحثا، خلال الاتصال الهاتفي الذي تلقاه سموه من معالي أيمن الصفدي مؤخراً، الجهود المبذولة لإنهاء التوتر في المسجد الأقصى، واستعادة الهدوء وفق أسس تحمي المقدسات. وشدَّد الوزيران على ضرورة بذل المجتمع الدولي جهوداً سريعة وفاعلة؛ لإنهاء التصعيد، وتطويق الأزمة عبر ضمان احترام إسرائيل التزاماتها القانونية والدولية. وقبل ذلك كانت دولة الإمارات قد أعربت، في بيان لوزارة الخارجية والتعاون الدولي، عن إدانتها واستنكارها الشديدَين لإغلاق قوات الاحتلال المسجد الأقصى المبارك، وعدَّت ذلك سابقة خطِرة وعدواناً على المقدسات.

إن الموقف الثابت والمشرِّف، الذي تتبناه دولة الإمارات منذ تأسيسها في مساندة الشعب الفلسطيني الشقيق، نابع من إيمان عميق بضرورة دعم مسيرة نضاله العادلة في سائر الميادين، وفي مختلف المحافل الإقليمية والدولية؛ وصولاً إلى تمكينه من نَيل حقوقه كافة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي الغاشم لأرضه وممارسته لحقه في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة فوق ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف؛ وذلك بما يتقاطع والسياسة الخارجية الحكيمة والمتزنة التي تتبناها الإمارات الحريصة على تبنِّي مختلف القضايا العادلة للشعوب، وذلك في انعكاس عملي جليٍّ للقيم الأصيلة والشيم النبيلة التي يتحلى بها التكوين الإماراتي قيادةً وشعباً.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات