الأزمة اليمنية والدور العربي المطلوب

د. مصطفى عبدالعزيز مرسي: الأزمة اليمنية والدور العربي المطلوب

  • 15 ديسمبر 2009

يشهد اليمن منذ قرابة عقد ونصف أزمات متتالية عدة تعبر في مجملها عن بيئة داخلية مضطربة لم تتوافر لها بعد مقومات الاستقرار. ففي الشمال برز منذ سنوات ما يسمى بـ"تمرد الحوثيين" في صعدة (مركز المذهب الزيدي)، وهي جماعة تتهمها الحكومة بالتطرف والإرهاب والابتعاد عن الفكر الزيدي المعتدل، والاقتراب من الفكر الشيعي الجعفري، في حين يتهم الحوثيون الحكومة باستهداف الطائفة الزيدية (منبع الإمامة) بأكملها، وبالإهمال المتعمد للمحافظات الشمالية في برامج التنمية.

ومن المعروف أن حركة الحوثيين بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي، وكانت تلقى الدعم من حزب المؤتمر الشعبي الحاكم، ثم انقلبت عليه ودارت رحى الحرب بين الجانبين على مدى أكثر من ست سنوات، سيطرت خلالها الحركة على مناطق شاسعة في صعدة وما حولها، ما شكل تحدياً سافراً للنظام اليمني الحاكم الذي اضطر مؤخراً إلى استخدام سلاح الجو بكثافة ضد معاقل الحوثيين، فضلاً عن استخدام القوات الخاصة والأسلحة الثقيلة لإنهاء هذا التمرد، الأمر الذي دفع الحوثيين إلى الإعلان عن مبادرتهم الأخيرة لوقف القتال، والتي استجابت لها السلطات اليمنية بتعليق العمليات العسكرية اعتباراً من 4 سبتمبر 2009، تلبية لمناشدات منظمات الإغاثة الدولية، غير أن هذه المبادرة لم تلبث أن انهارت بعد بضع ساعات؛ حيث استؤنف القتال من جديد.

وقد أثير كثير من الجدل حول دور بعض القوى الخارجية في دعم هذا التمرد حتى داخل الحكومة اليمنية نفسها. ففي البداية أوضح الرئيس اليمني علي عبد الله صالح أن الدعم الذي يتلقاه الحوثيون يأتي معظمه من الداخل، وليس من الخارج، وربما كان من الصعب وقتها تحديد دور الأطراف الخارجية في الصراع، فضلاً عن رغبة الحكومة اليمنية في عدم تصعيد الخصومة مع إيران، وتجنب محاذير امتداداتها الإقليمية. غير أن هذا الموقف تغير مؤخراً؛ حيث خرجت بعض الأصوات الرسمية التي تتهم إيران بشكل صريح بدعم التمرد الحوثي، ومن ذلك التحذير الذي وجهه وزير الإعلام اليمني لإيران من أن "هناك قرارات صعبة قد تلجأ إليها الحكومة اليمنية في حالة استمرار هذا الدعم"، وتصريح محافظ صعدة الذي ذكر فيه أن "تمرد الحوثيين له بعد إقليمي"، وإعلان الجيش اليمني عن عثوره على أسلحة إيرانية الصنع في المناطق التي كان يسيطر عليها الحوثيون.

وفي الجنوب لا يعتبر الوضع أفضل حالاً، فهناك أزمة معقدة يقع في خلفيتها أن الإجراء الوحدوي الذي تم بين شطري اليمن عام 1990، والذي مثّل اتفاقاً ثنائياً بين حزب المؤتمر الشعبي (الشمالي) والحزب الاشتراكي (الجنوبي)، ولم تنجح القيادات اليمنية في وضع قواعد لتقاسم السلطة حتى تمّكن الرئيس على عبد الله صالح من استيعاب شريحة مهمة من النخبة السياسية الجنوبية والانفراد بالسلطة المشخصنة، التي لا تقبل الحكم برأسين. ثم تراكمت الأخطاء والانحرافات دون حل حتى انفجرت الحرب الأهلية عام 1994، والتي تركت رواسب ما زالت تتفاعل حتى الآن. ومع الوقت تولد لدى الجنوبيين شعور باستحواذ المسؤولين الشماليين على الثروة والسلطة، وغياب الاهتمام بالجنوب (الذي يحتضن الثروة النفطية)، ونتج عن ذلك مناخ سياسي غير مريح لوجود الشماليين في الجنوب.

وقد تكون هناك مبالغة بعض الشيء في هذه المشاعر عززتها المظالم والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية المتراكمة؛ إذ يلاحظ أن جميع رؤساء الوزارة الذين تعاقبوا على المنصب بعد الوحدة كانوا من أبناء الجنوب، كما أن أوضاع المحافظات الجنوبية ومشكلاتها لا تختلف كثيراً عن الشمال من حيث انتشار البطالة والفقر والفساد، وغيرها من المشكلات التي لم تتحرك الحكومة اليمنية بشكل فعّال لمواجهتها مما جعلها تتراكم وتتفاقم ثم تنفجر. فنظمت قوى ما يسمى بـ"الحراك الجنوبي السلمي" احتجاجات في جميع المحافظات الجنوبية، التي تتفاعل منذ عام 2006، على إيقاع حركات احتجاجية شعبية تعاظمت في الفترة الأخيرة، ورفعت سقف مطالبها من إصلاح مسار الوحدة اليمنية، إلى الدعوة لرفض الوحدة، أو ما يسميه بعضهم باستقلال الجنوب، بل ذهبت إلى حد المطالبة بتنحي الرئيس علي عبد الله صالح عن السلطة.

الخطير في الأزمات اليمنية الأخيرة أنها اتخذت شكل العنف المسلح بين السلطة الحاكمة وجماعات سياسية رافضة لها، تتراوح مطالبها بين الحصول على حقوق سياسية واقتصادية، والدعوة إلى الانفصال عن إقليم الدولة (كما في الجنوب)، ووصل الأمر إلى ما يشبه الحرب الأهلية في الشمال. ومن هنا يمكن النظر إلى أزمة اليمن الراهنة على أنها أزمة مزدوجة؛ فهي من ناحية تمثل صراعاً على السلطة، ومن ناحية أخرى تمثل حرباً أهلية- نظامية.

وثمة عوامل عدة تقف خلف هذه الأزمة التي باتت تهدد كيان الدولة نفسه، أولها: عدم وجود قنوات سلمية لتداول السلطة. فبعد أن أعلن الرئيس اليمني في يوليو من العام 2005، عدم رغبته في الترشح للرئاسة عاد في ديسمبر من العام نفسه ليعلن عكس ذلك، كما تم تأجيل الانتخابات النيابية والتمديد للمجلس النيابي الذي يتمتع فيه الحزب الحاكم بالأغلبية، دون استثمار عنصر الوقت في إجراء حوار وطني جاد حول مختلف القضايا، الأمر الذي أدى إلى تفجر الموقف.

ويتمثل العامل الثاني في فشل الحكومة اليمنية في تحقيق التنمية، وهدر موارد الدولة في صراعات محلية عقيمة، بدلاً من التركيز على إعادة ترتيب البيت اليمني الداخلي، والابتعاد عن أسلوب الثأر والانتقام، والعمل على رفع أسباب المظالم وإشاعة العدالة الاجتماعية، واحترام القانون، وتوسيع نطاق المشاركة في السلطة وتداولها. أما العامل الثالث فيتعلق بالتدخلات الخارجية في الشأن اليمني، وهذه التدخلات ناجمة بدورها عن وجود فراغ سياسي داخلي يصاحبه ضعف اقتصادي واجتماعي بنيوي، يسهل تسلل أطراف إقليمية عبر شقوقه، ولاسيما من جانب دولة مثل إيران تضع مد نفوذها الإقليمي على رأس أولوياتها.

في هذا السياق تبرز أهمية التحرك العربي لمساعدة اليمن على تجاوز الأزمات التي يعانيها، وتنبع هذه الأهمية من المكانة التي يشغلها الموقع الجغرافي لليمن ومعطياته الجيوبوليتيكية، فهذا البلد يمسك بمفاتيح الباب الجنوبي للبحر الأحمر (مضيق باب المندب)، ويتحكم في التقائه الجغرافي بالمحيط الهندي، كما يشكل الموقع اليمني خصر الجزيرة العربية، ويقع معها في رقعة شطرنج سياسية وأمنية واحدة. وبالتالي فإن انزلاق اليمن نحو حرب أهلية أو فوضى أمنية واسعة لن تقتصر تداعياته عليه وحده، بل ستمتد إلى المنطقة العربية برمتها، وبصفة خاصة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بحكم الجوار الجغرافي المباشر والتداخل القبلي. كما أن اتساع دائرة الصراع في اليمن مع استمرار وجود حالة الدولة الفاشلة في الصومال، سيجعل من هذا البلد منطقة جاذبة بامتياز للعناصر المتطرفة (كالقاعدة)، وهو ما يمثل تهديداً إضافياً لليمن والدول المجاورة له مثل السعودية، التي تعاني بالفعل من تدفق العناصر المتطرفة من اليمن عبر الحدود إلى أراضيها، وآخرها ذلك الشخص الذي نفذ المحاولة الفاشلة لاغتيال الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز، مساعد وزير الداخلية السعودي. ومن هنا تنبع أهمية الحاجة للقيام بدور عربي فاعل لإخراج اليمن من مأزقه الراهن، حتى لا تتحقق تنبؤات بعض الأوساط من انشطاره إلى دويلات عدة، أو أن يتحول إلى دولة فاشلة أخرى في المنطقة.

في غياب الدور العربي تبدو احتمالات تدويل الصراع اليمني واردة لتحقيق طموحات إقليمية ودولية لعدد من الأطراف المتحفزة، ولعل ما نشهده حالياً من طلب العراق تحكيم القضاء الدولي في الاتهامات الموجهة إلى سورية، وما حدث من قبل في السودان، يمثلان خير دليل على وجود قوى خارجية تسعى إلى توسيع رقعة تدويل نزاعات المنطقة، وهو أمر ينبغي أن يشكل دافعاً آخر للعرب من أجل التحرك السريع لعلاج هذه الأزمة، لأن تدويل الأزمات العربية لا يخدم مصلحة أي طرف عربي.

وقد تثار مسألة حساسية التدخل العربي في الشأن اليمني الداخلي، ولكن هذا الأمر لا ينبغي أن يواجه بأي نوع من الحساسية، لأن التدخل العربي يهدف في المقام الأول إلى حماية اليمن والحفاظ على أمنه واستقراره، على عكس تدخل الأطراف الأخرى غير العربية التي تسعى إلى تحقيق مصالحها الذاتية وفرض نفوذها حتى لو كان على حساب أمن المنطقة واستقرارها، كما أن هذا التدخل العربي يجب أن يتم بالتنسيق الكامل مع الحكومة اليمنية حتى لا تكون هناك أية حساسيات أو تخوفات من أهدافه، ويكون واضحاً أن هدفه حل مشكلات اليمن ومنع تداعياتها السلبية على الأمن القومي العربي. ومن هنا تجيء أهمية توقيت إعلان عمرو موسى عن وضع الأزمة اليمنية على جدول اجتماع مجلس الجامعة العربية الذي عقد خلال هذا الشهر، في إطار الدعوة الاستطلاعية لمعرفة إمكانية انطلاق عملية التهدئة والحوار بين مختلف الفرقاء اليمنيين.

إن ما يشهده اليمن من أزمات ومشكلات يحتاج إلى تدخل عربي فاعل وسريع لتهيئة الأجواء لتحقيق مصالحة شاملة بين مختلف فئاته وإقناعها بأن الحل الوحيد لهذه المشكلات هو الحوار البناء والجاد، وليس استخدام العنف المسلح الذي يضر بعملية التنمية المتعثرة أصلاً، ويستنزف موارد الدولة الضعيفة. وما لم يتدارك العرب الأمر لإيجاد مخرج للأزمة اليمنية الراهنة، فإن المقولة التي تعودنا على ترديدها طوال الماضي عن "اليمن السعيد" ستجعلنا نقف أمام بكائية جديدة لليمن التعيس.

Share