الأزمة اليمنية: مخاطر التدويل والتحرك المطلوب عربياً

  • 21 فبراير 2010

شهد اليمن في السنوات الأخيرة أزمات عدة متلاحقة جعلته منطقة جاذبة للتدخلات الإقليمية والدولية، ولاسيما في ضوء ما يتمتع به من موقع جغرافي استراتيجي متميز يشرف على مضيق باب المندب الذي يتحكم بدوره في مدخل البحر الأحمر، إلى جانب قربه من منطقة الخليج العربي الغنية بالنفط. وقد سعت بعض الأطراف الإقليمية والدولية إلى محاولة استغلال نقاط ضعف اليمن لتحقيق مصالحها السياسية الخاصة، واستخدام ساحته كورقة رابحة في عملية الضغط المتبادل فيما بينها للاستحواذ على مناطق نفوذ إقليمية أكثر اتساعاً.

وإذا كان اليمن لم يحتل في الماضي مكانة كبيرة ضمن الاهتمامات الاستراتيجية للقوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، فإن مجموعة من الأحداث التي وقعت مؤخراً لفتت النظر إلى خطورة الموقع اليمني؛ كالهجوم الانتحاري على المدمرة "كول" في خليج عدن عام 2000، ثم الناقلة الفرنسية "ليمبورغ"، فضلاً عن تزايد نشاط ما يعرف باسم "تنظيم القاعدة في شبه الجزية العربية"، الذي يأخذ من الأراضي اليمنية قاعدة له، وبدأ يوسع مؤخراً من نطاق عملياته الإرهابية إلى خارج الحدود اليمنية، على النحو الذي عكسته محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز، مساعد وزير الداخلية السعودي للشؤون الأمنية، في أغسطس 2009، ثم المحاولة الفاشلة التي قام بها النيجيري عمر فاروق عبد المطلب، لتفجير طائرة أمريكية قادمة من أمستردام فوق مدينة ديترويت الأمريكية في أواخر ديسمبر الماضي، وهي العملية التي لامست الأمن الوطني الأمريكي بشكل مباشر، ولاسيما أنه سبقها اقتران اسم اليمن بجريمة أخرى وقعت في الأراضي الأمريكية، وهي قيام الطبيب النفسي الأمريكي، الفلسطيني الأصل، نضال مالك حسن، بقتل مجموعة من زملائه من الجنود الأمريكيين في معسكر "فورت هود" بتكساس في نوفمبر الماضي بتحريض من بعض رجال الدين اليمنيين، حسب المزاعم الأمريكية، الأمر الذي دفع الأمريكيين إلى وضع اليمن على قمة أولوياتهم في سياق ما يعرف باسم الحرب على الإرهاب، ولحماية مصالحهم الحيوية في منطقة الخليج.

ولا شك في أن ما يعانيه اليمن من أزمة غير مسبوقة في شموليتها وتعقدها جعل منه منطقة جاذبة بامتياز لأجندات إقليمية ودولية متباينة. فهناك "الحراك الجنوبي"، بمطلبه "الأدنى" المتمثل بمشاركة حقيقية أكبر في السلطة، و"الأقصى" المتمثل في الانفصال عن دولة الوحدة التي لم تحقق الاندماج الكافي بين شطري اليمن على الرغم من مرور أكثر من عقدين على قيامها. وإذا كانت محافظة "شبوة" والمناطق المحيطة بها، والتي تمثل مسرحاً رئيسياً لهذا الحراك، أصبحت مصدراً للقلق الإقليمي والدولي لتغلغل "القاعدة" فيها، وتحولها ملاذاً آمناً لكثير من عناصرها، مستفيدة من ضعف كيان الدولة، فإن ما يحدث في "صعدة" وجوارها من مواجهات دامية مع النظام اليمني منذ أكثر من ست سنوات، يثير بدوره قلقاً إقليمياً إضافياً لدول الجوار، وبصفة خاصة للمملكة العربية السعودية. فهشاشة الوضع في اليمن وضعف النظام العربي وتآكل مقوماته، أفسح المجال لأطراف إقليمية (كإيران) لتجد لنفسها منفذاً سالكاً للتغلغل في شؤون اليمن الداخلية، واستخدام ساحته لتوسيع منطقة نفوذها الإقليمية. وكان اختراق الحوثيين للأراضي السعودية، وما تردد عن دعم إيران لهم، يعبر في جانب منه عن حالة العلاقة الراهنة بين طهران والرياض.

في هذا السياق أيضاً، بدأت بعض القوى الدولية تخطط لاحتمالات تمركز في أرض اليمن، لتبلور قناعة لديها بأن ظروف اليمن ومشكلاته تجعل الحكومة اليمنية غير قادرة منفردة على مواجهتها وبسط سيطرتها على الأراضي اليمنية. فجاءت الدعوة إلى عقد مؤتمر لندن لدعم اليمن ليعطي انطباعاً ببداية عملية تدويل للأزمة اليمنية، وهو ما دفع الحكومة اليمنية للإعلان مسبقاً عن رفضها دخول أي قوات أجنبية إلى أراضيها تحت أي مسمى. كما تمثلت أبرز أوجه هذه الممانعة في اجتماع نحو 150 عالماً دينياً يمنياً يوم 14 يناير الماضي للإعلان عن رفضهم المطلق لوجود أي قوات أجنبية على الأراضي اليمنية، وذهب هؤلاء العلماء إلى حد الدعوة "للجهاد" في حالة دخول قوات أجنبية إلى اليمن.

وتعود دوافع هذا الرفض اليمني، الرسمي والأهلي، للوجود الأجنبي المباشر على أرض اليمن إلى الدروس المستفادة من تدخل القوى الدولية في نزاعات المنطقة، ومثال العراق ما زال حاضراً بقوة في الذاكرة العربية، كما أن هناك خشية من أن يؤدي مثل هذا التدخل إلى "أفغنة اليمن". وربما يعود السبب الأكثر أهمية للرفض الرسمي للوجود العسكري الأجنبي، لخشية النظام اليمني من أن تفرض القوى الدولية عليه أجندة إصلاح تتعارض مع رؤيته، أو قد تقوض مقومات استمراريته في السلطة.

وعلى أية حال فإنه يلاحظ أن هناك تجاوباً مرحلياً من جانب القوى الدولية، ولاسيما الولايات المتحدة، مع الموقف اليمني الرافض للوجود العسكري الأمني لأسباب ذاتية. فالولايات المتحدة حريصة على تجنب توسيع نطاق تدخلها العسكري في مناطق نزاع جديدة في الوقت الذي ما زالت فيه متورطة في المستنقع الأفغاني، ولم تتخلص بعد من مأزقها في العراق، فضلاً عن أن أزمة الملف النووي الإيراني ما زالت مفتوحة على كل الاحتمالات، كما أنها تعاني من أزمة مالية واقتصادية طاحنة تفرض قيوداً على نفقاتها العسكرية. وقد حسم الرئيس الأمريكي أوباما موقفه بوضوح بإعلانه عدم وجود نية لإرسال قوات لليمن أو الصومال، واكتفت واشنطن حتى الآن بدعم اليمن لوجستياً ومعلوماتياً، دون التوغل في خضم طبوغرافية بيئته الجغرافية والقبلية المعقدة، فيما اعتبر الجنرال ديفيد بترايوس رفض اليمن نشر قوات أمريكية على أراضيه "خبراً جيداً لبلاده".

كما وجد الموقف اليمني مساندة واضحة من جانب الدول العربية التي رفضت بدورها فكرة إرسال قوات أجنبية لليمن، وطرحت مصر في هذا الصدد رؤية تقوم على مبدأين أساسيين : الأول أن اليمن قادر وحده على التصدي لأية محاولات لزعزعة أمنه واستقراره أو لتهديد سيادته على أرضه، والثاني هو الترحيب الكامل بأي دعم يمكن أن يتلقاه اليمن في حربه ضد المتمردين، إذا كان هذا الدعم سيقتصر على النواحي اللوجيستية والاستخباراتية والتعاون الأمني المعلوماتي شأن التعاون الذي يحدث عادة بين كل الدول. كما سعت المملكة العربية السعودية، كقوة إقليمية معنية بشكل مباشر بتداعيات الصراع في اليمن على حدودها المشتركة، إلى احتواء هذه التوترات داخل اليمن والحيلولة دون امتدادها خارجه، في حين سارعت باقي دول مجلس التعاون الخليجي إلى تقديم يد العون لليمن لمساعدته على مواجهة الأزمات التي يعانيها.

وقد خلص الاجتماع الدولي الذي عقد في لندن في نهاية يناير الماضي بمشاركة أكثر من عشرين دولة وعدد من المنظمات الدولية إلى إصدار بيان اتصف بالاقتضاب والتلميحات والإشارات دون تفاصيل؛ نظراً للحساسية التي أبدتها الحكومة اليمنية مسبقاً من أي تدخل في شؤونها الداخلية؛ حيث أكد ضرورة الحفاظ على وحدة اليمن واحترام سيادته واستقلاله، والالتزام بعدم التدخل في شؤونه الداخلية، ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي التي تقوم بها الحكومة اليمنية باعتبارها أساساً للاستقرار والرخاء على المدى الطويل. كما اتفق المشاركون على دعم مبادرات الحكومة اليمنية لأجل تنمية قدراتها في مكافحة الإرهاب، وتعزيز أمن طيرانها وحدودها، وبناء قدراتها التشريعية والقضائية والأمنية. وكان هناك حرص على تأكيد استبعاد فكرة إرسال قوات أجنبية لليمن؛ حيث أكدت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون أن مشكلات اليمن لا تحل عبر العمليات العسكرية، بل عبر دعم جهود التنمية لتحقيق الاستقرار في البلاد، فيما شدد وزير الخارجية اليمني، أبو بكر القربى على أن دعم المجتمع الدولي لن يكون إلا في إطار "حفظ استقلال وسيادة اليمن". غير أن البيان اشترط على الحكومة اليمنية لقاء مساندتها، التصدي بجدية لإصلاح الأوضاع الداخلية، كما لمح المؤتمر إلى ضرورة إدخال إصلاحات داخلية، وعبرت هيلاري كلينتون عن موقف أكثر وضوحاً بهذا الشأن بإشارتها إلى أنه سيتم مراقبة مدى التزام الحكومة اليمنية بالإصلاح الداخلي. فيما ثار التساؤل حول الأهداف الحقيقية لعملية "أصدقاء اليمن"، التي قال البيان الختامي إنها ستتناول التحديات التي تواجه اليمن، وستعقد أول اجتماعاتها في نهاية شهر مارس القادم لمناقشة سبل تطبيق الخطة الإصلاحية الوطنية لليمن.

وعلى الرغم من الاستبعاد الدولي والإقليمي لفكرة التدخل العسكري في اليمن في الوقت الحالي، فإنه لا توجد ضمانات واضحة لاستمرار هذا الموقف على المدى المنظور، ولاسيما إذا استمرت الأوضاع الأمنية الراهنة على حالها داخل اليمن. فالولايات المتحدة يمكن أن تغير موقفها الحالي بعد أن تقوم بسحب قواتها من العراق وتجاوز أزمتها الاقتصادية الحالية، وهذا الأمر سيكون وارداً جداً في حال نجح تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في تنفيذ عمليات مؤثرة ضد المصالح الأمريكية مثل تلك التي فشل النيجيري عمر فاروق في تنفيذها. كما أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية توحي بأن محاولات التدخل الإقليمي والدولي في الشؤون اليمنية قد توقفت، فما زالت الساحة اليمنية مفتوحة أمام محاولات استغلالها في المواجهات الإقليمية والدولية. وما لم يتشكل موقف عربي قوي ومانع يساعد اليمن على صدها، فإن احتمالات تدويل الأزمة اليمنية سيظل قائماً بقوة. ومن ثم فالمطلوب الآن هو تحرك سريع لمجلس التعاون الخليجي بالتنسيق مع الجامعة العربية لتبني خطة عمل عربية مشتركة ومتكاملة تحافظ على وحدة اليمن وانتمائه العربي واستقراره وتنميته.

Share