الأزمة النووية الإيرانية: مبررات التصعيد الإسرائيلي- الغربي وحدوده

  • 15 ديسمبر 2011

اعتادت إسرائيل طوال العقدين الماضيين ترديد تهديدات بتوجيه ضربات عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، كما اعتادت إيران بدورها التهديد بالرد بعنف على أي عمل عسكري ضد منشآتها، مع إنكار عسكرة برنامجها النووي. ومازال هذا السجال والجدل مستمرين، وتزايدت حدتهما بصفة خاصة بعد صدور تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأخير عن الملف النووي الإيراني، الذي تحدث عن أن إيران أجرت أبحاثاً تضمنت نماذج محاكاة بالكومبيوتر في عامي 2008 و2009 لا يمكن أن تستخدم إلا لتطوير أسلحة نووية، وأنها أجرت تجارب على صواعق نووية. وقد اعتبرت الأوساط الأمريكية والإسرائيلية أن هذه المعلومات تمثل إدانة لإيران ودليلاً على عدم سلمية برنامجها النووي.

لكن الملاحظ أن التقرير استخدم في طرحه لهذه المعلومات والمخاوف عبارات مثل "ربما" و"لعل"، ما يجعل هذه الاتهامات تدخل في باب الاحتمالات والتكهنات ولا تستند إلى حقائق دامغة تؤكد صحتها، وكان يفترض بالوكالة ألا تكتفي في تقريرها بالاستناد إلى تقارير المخابرات وحدها، وهو ما يعيد للأذهان ما حدث بالنسبة لادعاء امتلاك عراق صدام حسين لأسلحة دمار شامل، وهو الأمر الذي  ثبت بطلانه لاحقاً. كما يؤخذ على يوكيا أمانو المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية قيامه بزيارة واشنطن قبل صدور التقرير باثني عشر يوماً، واجتماعه مع كبار المسؤولين في مجلس الأمن القومي الأمريكي، وهو ما أعطى إيران المبررات للتشكيك في استنتاجات الوكالة.

وعلى الرغم من هذه التحفظات، فقد أثارت " الاستنتاجات" التي وردت في تقرير الوكالة الأخير جدلاً بين الحلفاء الغربيين حول ما إذا كانت تستوجب مزيداً من الضغوط والعقوبات أو حتى اللجوء إلى الخيار العسكري لوقف تقدم البرنامج النووي الإيراني، وتمّ الاستقرار على ضرورة فرض مزيد من العقوبات، لما يتضمنه الخيار العسكري من محاذير ومخاطر بالغة. وشملت هذه العقوبات حظر بيع معدات ضرورية لقطاع الطاقة الإيراني، وقطع العلاقات مع المصارف الإيرانية، بما في ذلك المصرف المركزي، مع التهديد بفرض عقوبات على صادرات النفط الإيرانية.

وقد أثار إسراع بريطانيا إلى تطبيق العقوبات الجديدة النظام الإيراني وبعض القوى الموالية له في الداخل، حيث قامت عناصر من الباسيج باقتحام السفارة البريطانية، وألحقوا بها أضراراً بالغة، كما احتجزوا بعض الرهائن لفترة من الوقت، الأمر الذي تسبب في حدوث أزمة دبلوماسية كبيرة بين البلدين مع تبادل إغلاق السفارتين البريطانية والإيرانية في العاصمتين، كما قامت بعض الدول الأوروبية الأخرى بسحب سفرائها من طهران تضامناً مع لندن.

وبموازاة هذه الضغوط الغربية، صعدت إسرائيل من تهديداتها باستهداف البرنامج النووي الإيراني. وقد بدأت الحملات الإسرائيلية الموجهة ضد إيران قبل صدور تقرير الوكالة بأسبوعين وعكست انزعاجاً مما أسمته "المخاطر الوجودية" التي يمثلها امتلاك إيران لأسلحة نووية؛ حيث حذر الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز من تزايد احتمالات شن هجوم على إيران تنفذه إسرائيل بمفردها أو بالتعاون مع دول أخرى، فيما توقعت تقارير صحفية أن تقوم إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية مفاجئة للمنشآت النووية الإيرانية قبل نهاية العام الجاري أو في مطلع السنة القادمة، في الوقت الذي تم فيه الكشف عن قيام  القوات الجوية الإسرائيلية بإجراء تدريبات موسعة على شن هجمات بعيدة المدى، جرى آخرها بإحدى القواعد العسكرية التدريبية التابع لحلف شمال الأطلسي "ناتو" في إيطاليا، وهو ما عد مؤشراً على جدية التهديد الإسرائيلي، الأمر الذي دفع العديد من القوى الدولية إلى التحذير من إقدام إسرائيل على هذه الخطوة، بما في ذلك الولايات المتحدة نفسها؛ حيث حذر وزير الدفاع الأمريكي ليون بانيتا في خطاب له أمام منتدى سابان لسياسات الشرق الأوسط مطلع ديسمبر الحالي إسرائيل من توجيه أي ضربة عسكرية لإيران، مشيراً إلى أن هذه الضربة قد تتسبب برد فعل شعبي عنيف في إيران  يعزز مكانة النظام الحاكم في طهران، وتهدد الاستقرار في المنطقة، غير أنه أكد في المقابل أن إدارة أوباما لم تستبعد القيام بعمل عسكري لمنع إيران من الوصول إلى الأسلحة النووية.

وفي مواجهة هذه التهديدات الإسرائيلية والغربية صعّدت طهران من حدة خطابها السياسي؛ حيث أعلن المرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامئني أن بلاده سترد على أي اعتداء بقوة وعنف، فيما اتهمت طهران الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعدم الاستقلالية والخضوع للسياسة الأمريكية، وحذرت من أن إقدام إسرائيل على توجيه أي ضربة عسكرية لمنشآتها النووية سيعني التعجيل بإنهاء وجودها من المنطقة.

هذه الحرب الكلامية بين إيران من جهة وإسرائيل والدول الغربية من جهة أخرى، لا تخفي الحرب الحقيقية الصامتة بين الجانبين والتي بدأت منذ فترة واشتدت في الفترة الأخيرة، والتي تم فيها استخدام العديد من الوسائل، بداية من الوسائل الإلكترونية عبر بث فيروس(ستكس نت) الذي ضرب الأنظمة الإلكترونية المستخدمة في البرنامج النووي الإيراني، مما أدى إلى إبطاء عملية التخصيب، مروراً بعمليات التجسس لجمع المعلومات عن المواقع النووية الإيرانية من خلال استخدام الطائرات من دون طيار، والتي تمكنت طهران مؤخراً من إسقاط إحداها وهي من طراز"آر كيو 17" والسيطرة عليها شبه سليمة رافضة إعادتها إلى الولايات المتحدة، وليس انتهاءً باغتيال عدد من علماء الذرة الإيرانيين على يد مجهولين، واستهداف قواعد عسكرية إيرانية، شملت منشآت لتخصيب اليورانيوم آخرها في شهر نوفمبر الماضي في أصفهان، وقد امتنعت السلطات الإيرانية عن تأكيد ضلوع إسرائيل فيها أو نفيه، لكن صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" ذكرت نقلاً عن خبراء أن تدمير قاعدة عسكرية لـ"الحرس الثوري" قرب طهران الشهر الماضي، كان نتيجة عملية أمريكية- إسرائيلية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن أن تتحول هذه الحرب الصامتة إلى مرحلة الحرب الساخنة ضد إيران؟ بطبيعة الحال هناك محاذير كثيرة يدركها القاصي والداني هي التي تجعل كثيراً من دول العالم، بما في ذلك أشد المعارضين للبرنامج النووي الإيراني، تدعو إلى التريث والتفكير في التبعات المحتملة لأي تحرك عسكري، فهناك مخاوف جدية من احتمال إقدام على تنفيذ هجمات انتقامية ضد القوى الغربية الموجودة في المنطقة، وعلى الرغم من أن اكتمال عملية انسحاب القوات الأمريكية في العراق نهاية الشهر الحالي يخفف الضغط عنها بهذا الصدد، فإن انتشار القوات الأمريكية في المنطقة وفي أفغانستان، يثير المخاوف من احتمال استهداف هذه القوات، كما أن هناك مخاوف من امتلاك إيران صواريخ قادرة على ضرب العمق الإسرائيلي، إضافة إلى قدرتها على تسخين الجبهة الشمالية لإسرائيل من خلال حزب الله اللبناني، أضف إلى ذلك المخاوف المرتبطة بتداعيات أي عمل عسكري على الاقتصاد العالمي الذي ما يزال يعاني بشدة من أزمته المالية، ولاسيما منطقة اليورو التي تواجه أشد أزمة في تاريخها الحديث، وما تشهده المنطقة العربية بشكل عام من اضطرابات وتحولات استراتيجية لم تتحدد معالمها النهائية بعد.

كل هذه العوامل تجعل من الخيار العسكري مستبعداً عملياً، على الأقل في هذه المرحلة. والسيناريو المرجح في تقديري هو الاستمرار في الضغط على إيران سياسياً واقتصادياً، مع تشديد العقوبات المفروضة عليها من أجل إنهاكها اقتصادياً، وإثارة الرأي العام الداخلي ضد نظامها الحاكم، على أن يؤجل الخيار العسكري إلى مرحلة قادمة، بعد استنفاد كل الوسائل المتاحة، بحيث يكون هو الخيار الأخير.

Share