الأزمة المالية تزيد الوضع الغذائي العالمي سوءاً

د. يواخيم فون براون: الأزمة المالية تزيد الوضع الغذائي العالمي سوءاً

  • 8 فبراير 2009

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت مقابلة حصرية مع د. يواخيم فون براون، مدير المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية بالولايات المتحدة الأمريكية، أكد فيها حاجة دول الخليج إلى اتخاذ فعل منسق لمواجهة احتمال مفزع بأزمة غذاء عالمية رئيسة في المستقبل غير البعيد. وقد أجريت هذه المقابلة على هامش مشاركته في أعمال المؤتمر السنوي الرابع عشر للمركز، والذي عقد في الفترة من 2-4 فبراير 2009. وفيما يلي نص المقابلة.

(1) هل تعتقد أن الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة قد تؤدي إلى تصاعد أزمة الغذاء التي ضربت العالم في العام الماضي (2008)؟

ج: في العام الفائت، شهد العالم انفجار أسعار الغذاء. فعلى سبيل المثال، تضاعفت أسعار الأرز أربع مرات، وزادت أسعار القمح ثلاث مرات مقارنة بما كانت عليه. واقترن ذلك، بالطبع، بانخفاض ملحوظ في مخزون الحبوب لم يشهده العالم منذ ثمانينات القرن المنصرم. غير أن أسعار الغذاء قد تراجعت الآن، تماماً مثل أسعار النفط. ومع ذلك، يجب أن نتذكر أنه كان هناك أكثر من 50 مليون من الجوعى العام الماضي. أما بالنسبة لهذا العام، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية قد أصابت الفقراء، سواء من خلال تقليل الأجور أو زيادة معدلات البطالة. وهذا التزاوج بين أزمة أسعار الغذاء والأزمة المالية أفضى إلى زيادة الوضع الغذائي العالمي سوءاً بشكل حاد. وبالنظر إلى المستقبل، فإن العقبة الكبيرة أمام توافر الإمداد الغذائي العالمي هي الاستثمار. فالزراعة في الدول النامية في حاجة إلى رأس المال. بيد أن الأزمة المالية العالمية تعيق إتاحة رأس المال. وبناء عليه، فإن الاستثمار الحكومي، وكذلك الاستثمار الخاص الحصيف، طويل المدى، على سبيل المثال من جانب دول الخليج العربية، يغدو مهماً جداً في هذه المرحلة. 
 
(2) تعتمد دول الخليج بصورة أساسية على واردات الغذاء. أي نوع من الاستراتيجية تنصح دول الخليج باتباعها من أجل ضمان أمن غذائي أوسع في الفترة القادمة؟

ج: إن استراتيجية الأمن الغذائي في دول الخليج تحتاج إلى ثلاثة مكونات. فباعتبارها معتمدة على استيراد الغذاء وذات قوة شرائية عالية، فإن دول الخليج يجدر بها أن تركز على حرية التجارة؛ ليكون لديها دائماً طريقة سهلة للحصول على الغذاء من خلال التبادل التجاري. ومن ثم، يجب على هذه الدول أن تناصر إلغاء الحواجز وفتح الحدود أمام تنقل الغذاء بين دول العالم. ثانياً، يجب أن تهتم دول الخليج بتأييد نظام للاحتياط الغذائي العالمي؛ من أجل توفير إمدادات غذائية كافية ومتاحة دائماً، والحؤول دون التقلب الحاد في الأسعار. ثالثاً، يجب أن تستثمر هذه الدول في الزراعة، حيثما يكون مجدياً، وبصفة خاصة في أقاليم الدول النامية، حيث الإنتاجية منخفضة حالياً ولكن يمكن زيادتها، مثل السودان وباكستان وغيرهما. رابعاً، إن دول الخليج في حاجة إلى الاهتمام بوضع  نظام للأمان الغذائي؛ كي يسمح فقط بدخول الغذاء الصحي إلى أراضيها. وبالجملة، فإن المطلوب هو صياغة استراتيجية عالمية، تعمد إلى إزالة أية حواجز، ومنع أي عوائق أمام تدفقات التجارة أو تدفقات الواردات، وتأخذ الاعتبارات الصحية في الحسبان. وأعتقد أن دول الخليج سوف تستفيد بالجمع بين العولمة الجيدة وتنمية الاستثمارات الرشيدة.

(3) هل تصاعد السياسات الحمائية في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية يضع مزيداً من الحواجز أمام تجارة المنتجات الزراعية؟ وهل ستتجه الدول المنتجة للغذاء إلى التركيز أكثر على الطلب الداخلي، ومن ثم تصبح أقل توجهاً للتصدير؟ لو كانت الإجابة بنعم، فهل هناك جهود تبذل حالياً للحؤول دون تكريس هذا الاتجاه؟

ج: لا يوجد شك عندي، من واقع سفري إلى العديد من دول العالم وحواراتي مع كثيرٍ من صناع القرار والمستثمرين، في أن الزراعة العالمية سوف تكون موجهة للداخل؛ لتأمين الطلب الداخلي على الغذاء. وهذا يعد خطراً يواجه الأمن الغذائي. وفي الحقيقة، فإن استراتيجية التوجه للداخل مكلفة للغاية، ولا نوصي دول الخليج باتباعها؛ لأنه لا يتوافر لديها إنتاج زراعي كاف أو مصادر مائية متاحة لانتهاج استراتيجية جادة للاكتفاء الذاتي. وعليه، فإن الاتجاه العام نحو سياسة زراعية حمائية ومتوجهة للداخل سوف يضر فعالية النظام الزراعي العالمي. إن مفاوضات التجارة العالمية المعروفة بجولة الدوحة كانت للأسف غير حاسمة، وفي توقيت سيئ للغاية.

(4) هل من المفيد بالنسبة للدول أن تستثمر في البحث العلمي في المجال الزراعي في هذه المرحلة من الأزمة؟

ج: نحتاج إلى اقتراب مكون من شقين لمعالجة أزمة الغذاء. الشق الأول يجب أن يركز على الاستجابة للحالات الطارئة وتلك التي تحدث في المدى القصير، فيما يعمد الثاني إلى المرونة والتكيف والاستجابة للحالات التي تحصل في المدى الطويل. ويجب أن يبدأ الاثنان بالتوافق معاً؛ لأن التركيز على الحالات الطارئة لن يؤدي إلى إيجاد حلول دائمة. وعلى المدى الطويل، تشكل التكنولوجيا والاستثمار والبحث والتطوير في قطاع الزراعة أبعاد الحل المركزي. يذكر أن الدول المتقدمة تنفق حالياً نحو 5 بليون دولار سنوياً على البحث والتطوير في الزراعة؛ وهو معدل منخفض للغاية، وهو في حاجة إلى أن يزيد بمعدل واحد في المائة ليواجه الطلب العالمي على الغذاء. ويمكن أن يتحقق ذلك لو زادت الاستثمارات المخصصة للبحث والتطوير من 5 بليون إلى 10 بليون دولار سنوياً. ومن ثم، لا يجب التغاضي عن مكون العلم والتكنولوجيا في الاستراتيجية الكلية. فحل مشكلة الغذاء يكمن في تحسين سريع للتقنيات الزراعية، وعلى وجه الخصوص تحسين تقنية الجينات النباتية للصمود في وجه القحط والفيروسات. مما سيزيد من مقاومة النباتات للعوامل الخارجية في ظل التغير المناخي الذي يعاني منه العالم مؤخراً، وهو تهديد جديد لنمو الإنتاج الزراعي. طبعاً من دون نسيان الاستغلال السليم للموارد المائية والذي سيزيد بدوره من الإنتاج الزراعي.

(5) مع تراجع القطاعات المالية والصناعية، يرى بعض المستثمرين أن آفاق الاستثمار في مجال الزراعة واعدة. هل هذا التفاؤل مبرر؟

ج: ثمة ظاهرتان في مجال الزراعة في العالم جديرتان بالملاحظة. الأولى أن إهمال الزراعة من جانب المؤسسات الدولية، مثل البنك الدولي وغيره من المؤسسات التنموية، قد تم التغلب عليه بصورة أساسية. فهناك استثمارات أكثر موجهة الآن إلى الزراعة والبنية التحتية الريفية؛ كونهما مجالين يجب أن يسيرا معاً لتعزيز القطاع الزراعي. والثانية أن هناك رغبة من جانب القطاع الخاص لاستكشاف فرص الاستثمار في قطاع الزراعة. ولكن نظراً لعدم الكفاءة الوظيفية للقطاع المصرفي، فإن الاستثمار الخاص في القطاع الزراعي لا يتم بالمستوى المرغوب فيه. ومن ثم، فإن العبء الأساسي يقع على الاستثمار الحكومي. في هذا الخصوص، أرى فرصاً هائلة في دول الخليج، وبالتحديد في دولة الإمارات العربية المتحدة، لإيجاد شراكة بين الاستثمارات الحكومية والخاصة في مجال الزراعة.

بالنسبة للاستثمار الأجنبي المباشر، فإنه كان دائما قليل الحجم في القطاع الزراعي مقارنة بالقطاعات الأخرى. فهناك فكرة مسيطرة غالباً وهي أن الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع الزراعة يجب أن يكون كبير الحجم؛ أي في صورة مزارع كبيرة ومصانع ضخمة…إلخ. وهذا كله لابد أن يتغير، ولكن بطريقة مصممة بعناية، تشمل المزارع الصغيرة والمزارعين المحليين. فالخبرة علمتنا أن توزيع رأس المال على آلاف المزارع الصغيرة، بشرط أن يكون منظماً تنظيماً جيداً، يؤدي إلى زيادة العائد. وقد يشكل هذا استراتيجية ناجعة للمستثمرين، مثل دول الخليج والسكان المحليين في الدول النامية. وهذا سوف يوفر الأمن الغذائي المنشود لدول الخليج. ففي عام 2007، أجرى المعهد الدولي لبحوث سياسات الأغذية دراسة، حول دور المزارع الصغيرة في تقليل الفقر وزيادة النمو، انتهت إلى أن هذه المزارع يمكن أن تكون قاطرة النمو في القطاع الزراعي، وتقوم بدور فعال في تقليل الفقر.
  
(6) هل قضية المن الغذائي بسبيلها إلى أن تزداد سوءاً في المستقبل القريب؟ وهل يجب أن ندق جرس الإنذار.

ج: في الأخير، فإننا في وضع خطير جداً فيما يتعلق بقضية الأمن الغذائي. وقد أجرى المعهد الدولي لبحوث سياسات الأغذية تحليلاً لسيناريوهات تأثير الأزمة المالية العالمية على الوضع الغذائي في العالم، في الفترة من 2005 إلى 2020. وقد أبانت الدراسة أن الأزمة المالية العالمية، المقترنة مع الكساد الاقتصادي، قد أعاقت توافر رأس المال في وقت كان القطاع الزراعي في حاجة ماسة إلى مزيد من الاستثمار. كذلك خلصت الدراسة إلى أن السنوات الخمس إلى العشر القادمة سوف تشهد ارتفاعاً في أسعار الغذاء. فبحلول عام 2020، سوف ترتفع أسعار الأرز والقمح والذرة بنسبة 13% و15% و27%، على التوالي. في مواجهة ذلك، فإن الطلب على الغذاء مستمر في الزيادة بسبب النمو السكاني. ومن ثم، سيزداد الفقراء فقراً. وهذا وضع خطير للغاية؛ فأزمة الغذاء في العام الماضي (2008) أدت إلى اضطرابات احتجاجية في 60 دولة حول العالم، كتلك التي حدثت في الكاميرون والمكسيك وبوركينافاسو، وقد وصلت في هاييتي إلى حد الإطاحة بالحكومة. كل ذلك دعا الخبراء الاقتصاديين إلى التحذير من خطر حدوث كارثة عالمية عارمة. ومن ثم، فإن خطورة الوضع في حاجة إلى أن تكون على قمة أجندة القادة السياسيين. في هذا الصدد، يوصي المعهد الدولي لبحوث السياسات الغذائية بالتركيز على ثلاث أولويات، هي: (1) تعزيز الإنتاجية الزراعية المستدامة، (2) تأسيس مشروعات إقليمية وعالمية لاحتياطي الحبوب للحؤول دون التقلب الحاد في أسواق وأسعار الغذاء، (3) الاهتمام بإمدادات الغذاء التي تصل إلى السكان الأقل حظاً أو الذين يتعرضون لمخاطر الجوع. 

Share