الأزمة العراقية … تعدد البدائل والرهانات

  • 9 سبتمبر 2002
يميل الخطاب السياسي والإعلامي العراقي في التعاطي مع الموقف الأمريكي إلى تبني خيارات عدة في مقدمتها الرهان على فاعلية التحركات الدبلوماسية في تفادي ضربة أمريكية محتملة، بحيث تعمل هذه التحركات -وفقاً للرؤية العراقية- على حشد موقف دولي مناوئ للخطط العسكرية الأمريكية، كما تعمل بغداد في الإطار ذاته على المزاوجة بين "السياسي" و"الاقتصادي" في كسب دعم الحلفاء الإقليميين والدوليين، ناهيك عن وجود محاور ثانوية أخرى للتحرك العراقي مثل الترويج لما يثار بشأن شمولية التهديدات الأمريكية واتساع نطاقها. ومن الواضح كذلك أن الخطاب السياسي العراقي يتفاوت في نبرته -سواء بالتشدد أو المرونة- بما يتماشى مع معطيات الأحداث، ولكن هذا الخطاب وتلك الخيارات العراقية تبدو -في مقابل ذلك- موازية للعديد من الحقائق ذات الصلة الوثيقة بالملف، العراقي، وفي مقدمة هذه الحقائق ضرورة التزام قدر عال من الحذر التحليلي والسياسي عند محاولة تفسير رفض بعض القوى الدولية توجيه ضربة عسكرية أمريكية ضد العراق، إذ ينبغي النظر بموضوعية ودقة إلى سقف هذه المعارضة وهامش الحركة المتاح سياسياً أمام هذه الدول أو تلك للجم التوجه الأمريكي فضلاً عن أهمية الانتباه إلى أن إعلان رفض الضربة الأمريكية المفترضة يتلازم تقليديا مع توجيه انتقادات قاسية ضد العراق، وبالتالي فالمسألة ربما لا تعدو في معظم الأحيان أن تكون تعبيراً عن تباينات قائمة بين القوى الدولية الكبرى في الوسائل والأهداف والتوقيتات وآليات العمل داخل النظام الدولي أكثر مما هي انعكاس لمواقف حقيقية قائمة على رفض الاتجاه الأمريكي.

وفي ضوء التسريبات الإعلامية التي تتحدث عن إمكانية حصول واشنطن على دعم بعض حلفاء بغداد التقليديين على المستوى الدولي، فإن الأمر ربما يحتاج إجمالاً من الجانب العراقي إلى إعادة تقييم للموقف الاستراتيجي في ظل حسابات تقاسم المصالح والنفوذ الدوليين وما يرتبط بذلك من حقائق مجردة بعيداً عن الرهانات والاحتمالات، وإعداد البدائل الاستراتيجية التي تأخذ في الاعتبار ضرورة إنهاء معاناة الشعب العراقي دون أن تغفل العوامل الحاكمة للقرار الأمريكي. والمؤكد أن أي رهانات على تناقضات المصالح بين القوى الدولية الكبرى، من أجل تفكيك منظومة الحظر الدولي ربما تحمل من الخطورة ما يفوق أي مكاسب محتملة سياسية كانت أو اقتصادية، إذ تدرك بغداد أن استمرار المساندة التي تحصل عليها من قبل بعض القوى الدولية مسألة مرهونة بإطار أشمل يضم المصالح المتبادلة مع الولايات المتحدة وتوازنات القوى على المسرح الدولي. ولا شك أيضاً في أن قواعد إدارة الأزمات تقضي بعدم تجاهل خطر المواجهات العسكرية، أو حتى التقليل من حجم هذا الخطر وتأثيراته الاستراتيجية، كما أن سوء الإدراك من جانب طرف معين لحسابات الطرف الآخر يمكن أن يعجل بدفع الوضع الراهن إلى الانجراف نحو دائرة التصعيد العسكري.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات