الأزمة السياسية في العراق: مخاطر التصعيد وفرص التسوية

  • 19 يناير 2012

مع إتمام انسحاب القوات الأمريكية من العراق دخل هذا البلد في أزمة سياسية خطيرة سرعان ما ألقت بظلالها على الوضع الأمني فيه. وتفجرت هذه الأزمة إثر إصدار الحكومة العراقية التي يترأسها نوري المالكي مذكرة توقيف بحق نائب رئيس الجمهورية القيادي في "القائمة العراقية"، طارق الهاشمي، بتهمة التورط في أعمال إرهابية وإدارة فرق اغتيالات تستهدف مسؤولين حكوميين، وتقديم المالكي طلباً إلى البرلمان بسحب الثقة عن نائبه القيادي في القائمة العراقية أيضاً، صالح المطلك، بعد وصف الأخير للمالكي بأنه "ديكتاتور أسوأ من صدام"، الأمر الذي دفع القائمة العراقية بزعامة رئيس الوزراء العراقي الأسبق، إياد علاوي، إلى تعليق عضويتها في مجلسي الوزراء والنواب، وتقديم طلب إلى البرلمان بحجب الثقة عن رئيس الحكومة نوري المالكي.

والخطير في الأزمة الراهنة، التي وصفها، إياد علاوي، بأنها "الأخطر في تاريخ العراق"، أنها أخذت بعداً طائفياً؛ حيث بدت قرارات المالكي وكأنها تستهدف المكوّن السني في العملية السياسية في محاولة لتهميشه وتركيز السلطات في يده، بحسب بعض المراقبين، وهو ما أثار المخاوف من عودة التوتر الطائفي مرة أخرى إلى هذا البلد، وهدد بانهيار حكومة الشراكة الوطنية التي انبثقت من انتخابات مارس 2010.

ومن المعروف أن هذه الحكومة ولدت بعد أزمة استمرت ثمانية أشهر ووصفت ولادتها بالعملية القيصرية. فبعد الانتخابات التشريعية التي جرت في مارس 2010 تغيّر شكل الحكومة، فقد كان من المفترض أن تقوم بتشكليها "القائمة العراقية" لحصولها على الأغلبية، غير أن "قائمة دولة القانون"، التي يرأسها المالكي، نجحت من خلال التحالفات التي أبرمتها في تكوين أغلبية برلمانية ضمنت لها تشكيل الحكومة. وبعد ذلك التقى قادة الكتل السياسية العراقية في مدينة أربيل (نوفمبر 2010)، وتم التوصل إلى ما عرف "بتفاهمات أربيل"، التي كان من أبرز بنودها التسعة الدعوة إلى تشكيل "المجلس الوطني للسياسات العليا"، الذي كان من المفترض أن يرأسه إياد علاوي، ولكن ذلك لم يتحقق. كما تم الاتفاق على أن يشغل منصب وزير الدفاع مرشح من القائمة العراقية، بينما يشغل منصب وزير الداخلية أحد مرشحي التحالف الوطني، ولم يتم ذلك أيضاً، وظل المالكي يشغل المنصبين، ما عرضه لاتهامات من جانب خصومه وبعض شركائه في الحكومة بأنه يسعى إلى احتكار المناصب الأمنية لإحكام قبضته على البلاد بعد الانسحاب الأمريكي.

وفي محاولة لتخفيف حدة الأزمة أبدى، طارق الهاشمي، استعداده للمثول أمام المحاكمة، لكنه اشترط أن يتم ذلك في إقليم كردستان، الذي فر إليه؛ لأن القضاء في بغداد مسيّس، على حد قوله. وهو ما رفضته حكومة المالكي التي سارعت إلى مطالبة حكومة إقليم كردستان بتسليمها الهاشمي لمحاكمته، معتبرة أن القضية جنائية، وليس لها أبعاد سياسية، وهو الأمر الذي رفضه الأكراد، مؤكدين رغبتهم عدم الدخول كطرف في هذه الأزمة.

وقد دفعت هذه التطورات وضغوطها الرئيس العراقي جلال طالباني إلى الدعوة لعقد مؤتمر وطني موسع بهدف تطويق تفاعلات الأزمة السياسية الراهنة وذيولها، واحتواء مضاعفاتها وتداعياتها على مجمل الأوضاع الأمنية والسياسية. ورغم القبول المبدئي لمختلف الكتل السياسية لهذه الدعوة؛ فإن فرص نجاح هذا المؤتمر تبدو متباينة، فهناك من ناحية مؤشرات إيجابية تشير إلى إمكانية حل هذه الأزمة، منها إدراك مختلف الأطراف وخوفهم من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى الدخول في حالة من الفوضى الأمنية وعدم الاستقرار السياسي، إضافة إلى تأثيرها المحتمل على الحكومة العراقية، ولاسيما إذا استطاعت "القائمة العراقية" جذب التحالف الكردستاني لخيار سحب الثقة من الحكومة، ومن تلك المؤشرات أيضاً دخول الولايات المتحدة على خط الأزمة في محاولة لتهدئتها. ولكن في المقابل، هناك مؤشرات سلبية تشير إلى تمسك كل طرف بمطالبه وتمترسه خلف مواقفه، ما سيفضي حتماً إلى فشل المؤتمر في الوصول إلى اتفاق لإنهاء الأزمة، كما يشير بعض المراقبين إلى دور سلبي لإيران في هذا الصدد، حيث تحاول طهران من خلال حلفائها في العراق تصعيد الأزمة الراهنة لصرف النظر عن أزمتها المتصاعدة مع القوى الغربية حول برنامجها النووي.

وسيكون للأكراد دور حاسم في هذه الأزمة؛ حيث يسعى كل تيار إلى استقطابهم إلى صفه، فالمالكي يحاول استقطابهم لتدعيم موقفه في الأزمة والحفاظ على تماسك حكومته، فيما يحاول علاوي استقطاب الأكراد لوقف استهداف رموز السنة في قائمته، وتأمين الأغلبية المطلوبة لسحب الثقة من حكومة المالكي. وهنا يمكن للأكراد المناورة سياسياً من أجل تحقيق مطالبهم بخصوص النفط وغيره من القضايا العالقة بينهم وبين الحكومة المركزية.

ولعل ما يزيد من حدة الأزمة السياسية والأمنية الراهنة ويضيف إليها أبعاداً جديدة، سعي بعض القوى العراقية إلى تكوين فيدراليات في محافظاتهم وما يترتب على ذلك من إعادة رسم الحدود بينها. ويُخشى من أن يؤدي ذلك مستقبلاً إلى تقسيم العراق على أسس عرقية وطائفية، ما يهدد وحدة البلاد واستقرارها مستقبلاً.

والأمر الذي لا خلاف عليه هو أن الأزمة السياسية الراهنة انعكست سلباً على الأوضاع الأمنية في البلاد، فبعد فترة من الاستقرار الأمني نسبياً، عادت التفجيرات الإرهابية لتهز المدن العراقية وتتسبب في سقوط عشرات القتلى، وكان آخرها التفجير الذي وقع يوم 14 يناير الذي استهدف موكباً للزوار الشيعة المتوجهين إلى مدينة كربلاء في مدينة البصرة وراح ضحيته أكثر من 50 شخصاً وعشرات المصابين. وقد قدرت بعض المصادر عدد قتلى التفجيرات التي شهدها العراق منذ بداية ديسمبر 2011 وحتى منتصف يناير 2012 بأكثر من مئتي قتيل ومئات الجرحى. وقد استهدفت هذه التفجيرات تجمعات للشيعة وأخرى للسنة، ما يعني أن هدفها هو إعادة البلاد مرة أخرى إلى حالة الصراع الطائفي الدموي التي عاشتها خلال عامي 2006 و2007 ووضعتها على شفا حرب أهلية خطيرة.

وقد كان لافتاً إعلان تنظيم "دولة العراق الإسلامية" المرتبط بتنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين" مسؤوليته عن عدد من هذه التفجيرات، ما يعني عودة هذا التنظيم للنشاط بعد فترة من الكمون عقب الضربات القوية التي تلقاها خلال السنوات الماضية. وثمة اتفاق بين المراقبين على أن حالة عدم الاستقرار السياسي هي التي توفر الأجواء المناسبة للتنظيمات الإرهابية لكي تعمل وتمارس نشاطاتها الإجرامية بحرية.

هذه الأوضاع الأمنية والسياسية المضطربة تفرض على كافة القوى السياسية العراقية التحرك بسرعة لإنهاء الأزمة السياسية الراهنة وتحقيق التوافق الوطني من دون استبعاد أو تهميش أي فئة، فاستمرار الخلافات الطائفية مصحوبة بعملية سياسية لا تضم الجميع لا يمكن أن تحقق الاستقرار المنشود للبلاد، وبالتالي فإن القوى العراقية مطالبة بتحمل مسؤوليتها الوطنية في إنقاذ العراق وإعادة بنائه على أسس من التوافق الوطني الحقيقي، والتصدي لمحاولات التغلغل من قبل القوى الإقليمية والدولية، ولاسيما من جانب إيران، التي تحاول من خلال هذا التغلغل تحقيق مصالح خاصة بها دون النظر إلى مصلحة العراق، كما أن الولايات المتحدة مطالبة بتحمل مسؤوليتها في مساعدة العراق على تجاوز هذه المرحلة الصعبة من خلال استخدام قنواتها الدبلوماسية، كما أن هناك حاجة ماسة لدور عربي أكثر فاعلية لمساعدة العراق على تجاوز أزمته.

Share