الأزمة السياسية اللبنانية … حراك واحتمالات

د. بشارة نصار شربل: الأزمة السياسية اللبنانية ... حراك واحتمالات

  • 9 سبتمبر 2015

لم يكن في مقدور عاقل أو سياسي حكيم أو طرف في المعادلة اللبنانية لوم الشباب الذين بدؤوا حراكاً شعبياً في وسط بيروت احتجاجاً على تعاظم الفساد.

فمشهد النفايات تتجمع منذ 17 يوليو أنتج تاريخ 29 أغسطس حين التقى عشرات الآلاف بدعوة من حركة "طلعت ريحتكم" منددين بالطاقم السياسي كله وبنظام أفرز انقساماً وطنياً ولا يخفي ارتباط أقويائه بالمحاور الإقليمية، فيما هو يعجز عن تأمين الكهرباء والماء والاستشفاء وفرص العمل وصولاً إلى فضيحة الفشل في جمع النفايات.

واقع الأمر، أن الحراك الشبابي الذي لا يُعرف مآله، حتى الآن، هو العنصر الجديد في المشهد السياسي اللبناني. فقبل أن يتنادى هؤلاء الشباب، وهم بمعظمهم طلاب جامعات وأبناء طبقات متوسطة وموظفون، كان اللبنانيون مستسلمين إلى جمود قاتل أصاب المؤسسات الدستورية بفعل تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية منذ عام ونصف العام، كون قوى "8 آذار" وعلى رأسها "حزب الله" تريد إيصال النائب ميشال عون إلى الرئاسة. وهي، من أجل تحقيق هذا الهدف، تعطل بالتغيب نصاب المجلس النيابي بعد "اجتهاد" دستوري بوجوب حضور ثلثي أعضاء البرلمان لمباشرة عملية الاقتراع.

هزَّ الحراك الشعبي المدني المطالب برفع النفايات ومحاربة الفساد، تسليم اللبنانيين بأن إرادة قواهم السياسية مرهونة للخارج، وبأن انتخاب رئيس جديد للجمهورية بات ينتظر توافقاً إقليمياً ومباركة دولية.

بيد أن هذه الهزة ليست كافية حتى الآن. فالنظام اللبناني شديد القوة ولو أنه أنشأ دولة ضعيفة. فقد تشكل منذ الاستقلال في عام 1943 وحمل دوماً في طياته بذور الأزمات الوطنية، سواء بفعل التركيبة الطائفية الداخلية وعلاقة الطوائف بالكيان أصلاً، أو بفعل العوامل الخارجية التي لم يكن بمقدور بلد صغير قائم على توازن دقيق أن يتصدى لها بوحدة وطنية تجنبه شر الحروب والتدخلات. وبرغم ذلك صمد النظام.

انتهت "الجمهورية الأولى" بفعل الحرب وانحلال الدولة لكن جوهر النظام لم يتزحزح. فـ "الجمهورية الثانية" التي ولدت بعد "اتفاق الطائف" في عام 1990 فشلت في إرساء أسس الدولة مجدداً؛ لأن راعيها الإقليمي؛ أي نظام الأسد – الأب، أرادها جرماً يدور في فلك دمشق، وساحة لدور إقليمي اختلطت فيه أطماع الهيمنة السياسية بالمافياوية المخابراتية والمالية متمثلة في نظام أمني سوري – لبناني مشترك انتهى باغتيال رفيق الحريري في عهد الأسد – الابن.

وإذ كان خروج الجيش السوري من لبنان بفعل "ثورة الأرز" في مارس 2005 بارقة أمل للبنانيين للعودة إلى تطبيق "اتفاق الطائف" بعيداً عن الوصاية وإنتاج توافق داخلي إسلامي – مسيحي يطبق مبدأ المناصفة الدستوري ويعيد لبنان دولة عادية تتحمل قسطها من الصراع العربي – الإسرائيلي ولا تشكل رأس حربة فيه أو أداة لتحريكه، فإن "حزب الله" أطفأ تلك البارقة، وكأنه تحوّل إلى جيش وصاية بديلاً، لا يصرّ على ربط لبنان بالصراع العربي – الإسرائيلي فحسب، بل على جعله ساحة لمآرب طهران خصوصاً.

على وقع هذا الانقسام الكبير بين قوى 14 آذار، وقوى 8 آذار، سارت الحياة السياسية في لبنان منذ عشرة أعوام، في ما يشبه سلماً أهلياً بارداً تتخلله مناوشات وأزمات ولا يصل إلى حد نشوب حرب أهلية، أساسها هذه المرة التوتر الشيعي – السني المتصاعد في المنطقة.

غير واضح حتى الآن المسار الذي ستتجه إليه الأوضاع السياسية المستعصية في لبنان. فهي فعلياً تعيش على وقع "الربيع السوري" الذي تحول صراعاً إقليمياً ودولياً، الذي ينخرط فيه "حزب الله" عسكرياً متجاوزاً الدولة اللبنانية والميثاق الوطني وفارضاً أجندة خارجية على الداخل، سواء بقوته العسكرية، أو بواسطة أدواته السياسية، وعلى رأسها النائب ميشال عون مرشحه الوحيد لرئاسة الجمهورية.

لا يعلق اللبنانيون آمالاً كثيرة على الحوار الوطني الذي باشره رئيس مجلس النواب، نبيه بري. ففي عام 2006 انعقدت "طاولة الحوار" واتفق الجميع على سلسلة قرارات تعيد إلى الدولة دورها. وما هو إلا وقت قصير حتى أطلق حسن نصرالله "حرب تموز" التي انتهت بأكثر من 1400 قتيل وبخسارة تقدر بنحو 14 مليار دولار.  

وفي عام 2012 تكررت "طاولة الحوار" وأنتجت "إعلان بعبدا" الذي لا يختلف مضمونه عن توافقات عام 2006، وما لبث "حزب الله" أن تنصل منه وشن حملة شعواء على الرئيس ميشال سليمان الذي تم التوصل إلى "الإعلان" برئاسته. وكحصيلة للتطورات الحاصلة حالياً في الساحة اللبنانية، يقف المجتمع اللبناني أمام ثلاثة احتمالات للأزمة القائمة:

أولاً: أن تقتنع إيران بأن تعطيلها الرئاسة في لبنان لإيصال مرشحها لم يعد مجدياً، وذلك إما لأن "حزب الله" استنفد غرضه من الفراغ الرئاسي، وإما لأن ضغوط ما بعد "الاتفاق النووي" يمكن أن تلزم طهران بالتوقف عن لعب هذا الدور. عندها يتم انتخاب رئيس توافقي يدير الأزمة في انتظار جلاء الوضع الإقليمي. وهذا حل واقعي ومتوازن لكنه رائع لدرجة عدم التصديق.

ثانياً: أن يرى "حزب الله" أن الفرصة سانحة لتعديل النظام السياسي في لبنان في اتجاه فرض "المثالثة" الشيعية – السنية – المسيحية بديلاً عن المناصفة، فيدفع الأزمة والفراغ إلى أقصاه بواسطة حليفه ميشال عون وبالتضامن معه، فيُرغم الحكومة على الاستقالة بعد الشلل الذي أصابها، وبذلك يكتمل الفراغ في المؤسسات الدستورية الثلاث: رئاسة الجمهورية، ومجلس النواب الممدد لنفسه، ورئاسة الحكومة. وهو فراغ يتيح الدعوة إلى "مؤتمر تأسيسي" يفرض فيه كل طرف شروطه. غير أن هذا المنحى خطر وغير مضمون ويحمل في طياته احتمال الفتنة السنية – الشيعية.

ثالثاً: أن يفرض الحراك الشبابي ديناميكية جديدة بدعوته إلى انتخابات نيابية حسب النظام النسبي قبل انتخاب رئيس، ما يشكل انقلاباً ناعماً وانتصاراً على "14 آذار" لأن "حزب الله" قادر ضمن هذا النظام على تأمين أغلبية ساحقة في الطائفة الشيعية، في حين أن "تيار المستقبل" لن يكسب في أفضل الاحتمالات أكثر من 65% من الطائفة السنية، فيما المسيحيون منقسمون بشبه مناصفة. ولا شك في أن أمام هذا الاحتمال عقبات كبيرة. أبرزها أنه يحتاج إلى اجتماع مجلس النواب لإجراء تعديل دستوري. فإذا كان قادراً على هكذا اجتماع، فلماذا لا ينتخب رئيساً للجمهورية يشكل مفتاح الحل الدستوري؟

يبدو المجتمع الدولي حتى الوقت الحاضر، مصراً على حماية الأصول الدستورية في لبنان، التي تتمثل في البدء بانتخاب رئيس. وتبدو قوى "14 آذار" صامدة في الدفاع عن هذا المبدأ. لكن الصراع الإقليمي مستعر من اليمن والعراق حتى سوريا المجاورة، وله وهج كبير على تحديد الخيارات السياسية للقوى المؤثرة في لبنان التي بيدها إنقاذ البلاد من الشر المستطير أو إدخالها في أتون المنطقة الرهيب.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات