الأزمة السورية في مسار فيينا: هل من أفق لحل سياسي؟

الأزمة السورية في مسار فيينا: هل من أفق لحل سياسي؟

  • 17 ديسمبر 2015

برغم مؤشرات دولية تطمح لتأكيد السير نحو بداية إنهاء الأزمة السورية، فإن الوقائع على الأرض لا تزال تشي بنزاع مستمر وطويل. فمع افتراض وجود توافق وإرادة دوليين لحمل النظام والمعارضة على التفاوض، وافتراض التوصّل غداً إلى اتفاق، فإنه يحتاج بضع سنوات لإنجاز بنوده، هذا إذا استجابت كل الأطراف على الأرض وتعاونت بصدق من أجل وقف القتال والرضوخ لأحكام الحل السياسي المنشود. ومثال تونس لا يزال في الأذهان، حيث تطلّبت بداية الخروج من الأزمة أربعة أعوام، برغم عدم وجود تعددية طائفية ومذهبية وعرقية، وعدم انزلاق الأزمة إلى اقتتال أهلي، ومع ذلك لا يزال الاستقرار بعيداً ولا يزال يقال إن الوضع لم يُحسم سياسياً بعد، علماً بأن الحوار نجح في تهيئة الظروف الملائمة لانتخابات رئاسية وبرلمانية.

لكن المفاوضات السورية لم تبدأ بعد، والكل يأمل في انطلاقها مطلع العام المقبل 2016، عملاً بـ "خريطة فيينا" التي أقرتها "المجموعة الدولية لدعم سوريا" (14/11/2015)، ولحظت فيها وقفاً لإطلاق النار. وبناء على تلك "الخريطة" كُلفت السعودية عقد مؤتمر يضمن أوسع تمثيل للمعارضين السوريين: السياسيين والعسكريين؛ للتوصل إلى وثيقة سياسية يُجمعون عليها وتتضمّن جملة مبادئ، أهمها موافقة المعارضة على حل سياسي للصراع، وتشكيل وفد موحّد لدخول مفاوضات مع النظام سعياً إلى هذا الحل، وهو ما حصل فعلاً. وفي الوقت نفسه كُلّف الأردن إجراء مشاورات لإعداد قائمة بالتنظيمات الإرهابية التي ستعتمدها الدول المعنية كافةً لتعتبر تلك التنظيمات خارج العملية السياسية، ما يعني أيضاً استهدافها عسكرياً في إطار محاربة الإرهاب. وباستثناء تنظيم "داعش" فإن تداخل الفصائل في مواقع القتال يعقّد معايير التصنيف، خصوصاً أن "جبهة النصرة" المصنّفة دولياً إرهابية، بحكم ارتباطها بتنظيم "القاعدة"، تنتشر شمالاً وجنوباً إلى جانب فصائل عدة غير مصنّفة، إلا أن المأخذ الرئيسي عليها، عدا أيديولوجيتها، أنها تضمّ مئات الأجانب ويُعتقد أن معظمهم من الدول القوقازية؛ ولذا تريد روسيا ضربها حتى لو أدّى ذلك إلى إضعاف "المعارضة المعتدلة" وفقاً للتصنيف الأمريكي.

كان المبعوث الأممي دي ميستورا قد أفاد أكثر من مرّة أن النظام شكّل وفده إلى المفاوضات، فهل تشكيل وفد المعارضة يعني اكتمال الاستعدادات للتفاوض؟ بعد مؤتمر الرياض أعلن رئيس النظام أنه لن يفاوض من وصفهم بـ "الإرهابيين"، وتبنّت موسكو وطهران هذا التوصيف منتقدتين استبعاد المؤتمر "معارضين" مرتبطين بهما أو بالنظام، ما يعني أنهم ليسوا معارضين ولذلك استُبعدوا. غير أن موقف رئيس النظام لا يعزى فقط إلى ما سمّاه "إرهاباً"، بل إلى التوجّه السياسي الذي أقرّته المعارضة في الرياض بمكوّناتها الأربعة (الائتلاف أو معارضة الخارج، وهيئة التنسيق أو معارضة الداخل، وممثلي الفصائل العسكرية، والمستقلّين). إذ جاء في البيان الختامي للمؤتمر أن "هدف التسوية السياسية هو تأسيس نظام سياسي جديد من دون أن يكون لبشار الأسد وزمرته مكان فيه"، وحدّد مرجعية المفاوضات ببيان "جنيف 1"، والقرار الدولي 2118 ورعاية الأمم المتحدة، ومساندة "المجموعة الدولية لدعم سوريا"، كما عبّر المشاركون عن "رغبتهم في تنفيذ وقف لإطلاق النار بناء على الشروط التي يتم الاتفاق عليها حال تأسيس مؤسسات الحكم الانتقالي، وفي إطار الحصول على ضمانات دولية مدعومة بقوة الشرعية الدولية".

هذه الصيغة التي تتشبّث بـ "جنيف 1" تعتبرها المعارضة "مكسبها" السياسي الوحيد منذ يونيو 2012، وقد جرى إثباتها في القرار الدولي 2118، الذي خُصّص أصلاً لإلزام النظام بتسليم ترسانته الكيماوية لتدميرها. وأهم ما في الصيغة نصّها على "إقامة هيئة حكم انتقالي بصلاحيات كاملة"، وهو ما كرّر النظام وحلفاؤه رفضها في أكثر مناسبة، وحتى روسيا التي كانت شريكة في إصدار بيان جنيف لجأت إلى لعبة التفسيرات لتقلل من البُعد "الانتقالي" وتركّز على مخرجات المفاوضات بين الجانبين. غير أن جولتَي مفاوضات في جنيف (يناير وفبراير 2014) أكّدتا أن موسكو لم تهيّئ النظام لقبول مرحلة انتقالية، وقد تولّى وفده إفشال هذه المفاوضات.

ما الجديد إذاً بعد مرور عامين؟ كانت الولايات المتحدة تقول على الدوام: لا يمكن التفاوض على حل متوازن إلا في ظل معادلة ميدانية متكافئة، لا يعتبر فيها أيٌ من الطرفين أنه منتصر أو مهزوم. وما حصل منذ بداية عام 2015 حتى الصيف، أن المعارضة أوصلت النظام إلى شفير الانهيار فاستنجد بروسيا التي تدخلت وأصبح لها وجود عسكري على الأرض ودشّنت في 30 سبتمبر حملة ضربات جوية تستهدف المعارضة، برغم أن رئيسها فلاديمير بوتين أعلن أن محاربة "إرهاب داعش" هو الهدف. واقعياً، عزّز التدخل الروسي وضع النظام والحؤول دون انهياره، ما أدّى إلى اختلال واضح في ميزان القوى، لكن موسكو استبقت تدخلها بسلسلة اتصالات تعهّدت خلالها العمل على حل سياسي للأزمة. وبعدما باشرت عملياتها تصرّفت بطريقة توحي بأنها معنية أولاً بالحسم العسكري لا بالحل السياسي، لكنها اصطدمت بمدى الضعف الذي بلغته قوات النظام وصعوبة التعويل عليها، فضلاً عن تعقيدات الاعتماد على الميليشيات التي استقدمتها إيران؛ لذلك عمدت إلى تنشيط تشاورها مع واشنطن، فبدأ "مسار فيينا" الذي عُقد لقاؤه الأول رباعياً (أمريكا وروسيا والسعودية وتركيا) ثم توسع ليضم سبع عشرة دولة، بما فيها إيران.

يُستدلّ من لغة بيانات فيينا أنها ترمي إلى تحريك "صيغة جنيف" لتصبح مقبولةً من روسيا، لذلك اعتمد بيان 30 أكتوبر في بنده السابع، الدعوة إلى مفاوضات بغية "استهلال العملية السياسية الرامية إلى إقامة هيئة حكم ذات مصداقية وشاملة للجميع وغير طائفية، يليها وضع دستور جديد وإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة ووفقاً لإرادة هيئة الحكم"؛ أي إن البيان تجاوز صيغة "هيئة حكم انتقالية بصلاحيات كاملة" برغم إشارته إلى مرجعيتَي "جنيف 1"، والقرار 2118. أما البيان الثاني لمجموعة فيينا فقد أصبح أكثر وضوحاً حين ربط بين استهلال العملية السياسية ووقف شامل لإطلاق النار يدخل حيز التنفيذ "حالما يبدأ ممثلو الحكومة والمعارضة اتخاذ الخطوات الأولى نحو تحقيق الانتقال السياسي تحت إشراف الأمم المتحدة". وقد طُلب من الدول الداعمة "لمختلف الأطراف المتصارعة" اتخاذ التدابير لضمان "امتثال المجموعات والأفراد التي يمدونها بالإمدادات أو يؤثرون فيها لوقف إطلاق النار"، ويُفترض أن ينطبق وقف النار على النظام لضمان نجاحه، وإذ تجنّب البيان الإشارة إلى ذلك، فُهِم من "إجراءات بناء الثقة" أن النظام مطالبٌ بالامتثال أيضاً.

مع اقتراب الاستحقاق الأول؛ أي بدء التفاوض، كان التفاوت واضحاً بين ما اتفقت عليه أطراف المعارضة في الرياض وما يريده النظام، وكذلك بين طرحيهما ومقررات فيينا. ومن جهة أخرى كان معروفاً أن ثمة نقاطاً غامضة في تلك المقررات ينبغي الاتفاق عليها، تحديداً بين الأمريكيين والروس، وقد لوّح الأخيرون بأنهم ليسوا متحمّسين لحضور اجتماع ثالث لمجموعة فيينا، اقترح الأمريكيون عقده في نيويورك. قد يكون لقاء وزيري الخارجية في موسكو جدّد تفاهماتهما أو طوّرها، إذ اقترب جون كيري أكثر من وجهة النظر الروسية بإعلانه أن واشنطن "لم تعد تسعى إلى تغيير النظام" في سوريا، فيما أعلن سيرغي لافروف أنه تم الاتفاق على قائمة التنظيمات الإرهابية، ما يطلق يد روسيا في ضرباتها الجوية في مناطق المعارضة.

هذا المشهد عشية البداية المفترضة للمفاوضات لا يشجع على توقّعات متفائلة بشأنها، خصوصاً إذا لم يكن الأمريكيون والروس مستعدين معاً لتوفير بعض الضمانات للمعارضة بشأن "مصير الأسد"، وهي العقدة التي أدّت في كثير من الأحيان إلى تأجيل التوافق الدولي على إنهاء الأزمة السورية. وهذا يؤخر بطبيعة الحال أي مساعٍ لتفعيل "الحرب على داعش".

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات