الأزمة السورية: التطورات والانعكاسات المحتملة على لبنان

  • 30 مايو 2012

شهدت الأزمة السورية خلال الأسابيع القليلة الماضية تطورات خطيرة، سواء لجهة ارتفاع وتيرة العنف الذي يمارسه النظام السوري ضد المعارضين له، والذي وصل ذروته بارتكاب المجزرة البشعة التي وقعت في مدينة الحولة السورية وراح ضحيتها 108 أشخاص من بينهم ما يقرب من خمسين طفلاً، أو لجهة امتداد تداعيات هذه الأزمة إلى خارج حدود سورية، وخصوصاً إلى لبنان، الذي شهد أعمال عنف طائفية على خلفية مواقف القوى اللبنانية المتباينة من الأزمة السورية.

هذه التطورات جاءت كتطور منطقي لاستمرار الأزمة السورية دون وجود أفق للخروج منها، ولاسيما مع تزايد المؤشرات الدالة على تعثر خطة المبعوث الأممي العربي المشترك كوفي عنان، وعدم وجود خطط بديلة لحل الأزمة سلمياً أو وضع حد لأعمال العنف والقتل المتصاعد، والتي أصبحت تتم على مرأى المراقبين الدوليين في سورية ومسمعهم.

ويلاحظ أن خطة كوفي عنان لإيجاد مخرج للأزمة السورية، اتسمت في البداية بنوع من الواقعية السياسية؛ حيث أدرك عنان، بحكم خبرته كأمين عام سابق للأمم المتحدة، أن القوى الكبرى في ظل انشغالها بالأوضاع السياسية والاقتصادية العالمية الراهنة، غير مستعدة لتحمل تكاليف خوض مغامرة عسكرية جديدة ضد النظام السوري في المدى المنظور، لذا وجد أنه من المناسب التعامل بمرونة مع هذا الواقع السياسي المعقد، وانعكس ذلك بوضوح على خطته ذات النقاط الست التي وضعها لتنفيذ القرار الأممي رقم 2043. لكن عنان غامر بالمراهنة على حسن نوايا النظام السوري، وسعى قدر الإمكان إلى أن تكون خطته مقبولة من القوى الداعمة للنظام السوري وفي مقدمتها روسيا والصين، الأمر الذي أفقد الخطة جزء كبير من فاعليتها منذ البداية.

ومع ذلك فقد وجدت خطة عنان لتغيير مسار الأزمة السورية ووقائعها على الأرض قبولاً من مختلف الأطراف في البداية، فقد وجد المنتفضون السوريون أن عناصر هذه الخطة قد توفر لهم مرحلياً شبكة أمان تحميهم من اعتداءات النظام السوري المتواصلة، ولاسيما في ظل انقسام المجتمع الدولي حول سبل مواجهة الأزمة. بالمقابل رأى النظام السوري أن من مصلحته تكتيكياً عدم رفض هذه الخطة على الرغم من إحساسه بأن نقاطها الست قد تمثل محاولة لاستدراجه، مع السعي لمحاولة تفريغها من مضمونها عملياً. وهو ما حدث بالفعل؛ حيث رأى النظام أن اتساع نطاق الانتفاضة وانتشارها في مختلف المدن السورية دون كابح سيعرضه لمزيد من المخاطر، لذا لجأ لاستخدام القوة لتحجيم المظاهرات ولإرهاق المحتجين، متذرعاً بأنه يواجه أنشطة إرهابية. كما وجد النظام السوري أن استمرار العمليات العسكرية والتفجيرات، سيكون مبرراً لعرقلة الانتقال لتطبيق البنود الخمسة المتبقية من خطة عنان، خصوصاً البند المتعلق بإدارة العملية السياسية، من أجل التوصل إلى إتفاق على انتقال السلطة سلمياً وتشكيل سلطة جديدة تمثل فيها كل القوى السياسية والحزبية.

وعلى الرغم من أن النظام أصبح بموجب خطة عنان تحت المراقبة الدولية، فإن ذلك لم يثنه عن مواصلة أعمال القمع بحق المعارضين. شجعه في ذلك حالة التردد التي تتسم بها المواقف الأمريكية- الغربية حول سبل التعامل مع الأزمة السورية، وعدم فاعلية الأطراف العربية وتباين مواقفها، في وقت يستمر فيه الدعم الإيراني غير المحدود للنظام السوري، إضافة للغطاء السياسي الذي يوفره الموقف الروسي- الصيني، الأمر الذي جعل النظام السوري يشعر بالاطمئنان، ويواصل بطشه بالمعارضة. بالمقابل ركزت العناصر المسلحة المعارضة على تبني أسلوب حرب العصابات في المدن، وهو ما أرهق الجيش النظامي السوري غير المدرب على نوعية هذه الحرب، فلجأ إلى الضربات العشوائية التي أصابت العديد من المدنيين في مدن عدة.

وعلى الرغم من ضغوط المرحلة الحالية على أجنحة المعارضة، فإنها لم تتوصل حتى الآن إلى خطة عمل أو برنامج موحد لإدارة الأزمة الراهنة. هذا التشتت والانقسام الذي تعاني منه المعارضة يمثل في تقديري التحدي الأكبر أمام الانتفاضة السورية، فهو من ناحية، يشتت جهود المعارضة لإحداث التغيير المنشود، ومن ناحية ثانية، يعزز مخاوف بعض القوى الإقليمية والدولية وشكوكها في قدرة المعارضة على تسلم زمام الأمور في مرحلة ما بعد الأسد، إضافة إلى المخاوف من تسلل العناصر المرتبطة بالتنظيمات المتطرفة إلى جماعات المعارضة، الأمر الذي جعل بعض القوى المؤيدة للتغيير في سورية تتردد في تزويد المعارضة بالسلاح لمواجهة النظام السوري. ومن ثم فالتحدي الأساسي أمام المعارضة هو العمل على إنهاء الخلافات الحادة داخلها، حتى يتسنى تقديم بديل جاذب للمعارضة الداخلية، وتقديم معارضة مقبولة وذات المصداقية للأطراف الخارجية.

وفي ظل تشتت المعارضة داخلياً وخارجياً استمر النظام السوري في استغلال هذا الوضع، وبدأ في دفع الانتفاضة السورية نحو المزالق الطائفية وحرفها عن جوهرها السياسي وبعدها الوطني الشامل، بالعمل على إثارة المخاوف في صفوف الأقليات من توجهات الأكثرية الدينية (السنية) وتقديم الوعود بحمايتها، لإدراك النظام أن الحفاظ على المواقف الراهنة لأغلب الأقليات من الأزمة السورية، سيحول دون تحول "الوضع الثوري" الراهن إلى درجة "الثورة" الشاملة.

هكذا وجدت الانتفاضة السورية نفسها أمام مأزق استمرار هذا الوضع الحرج، في الوقت الذي تتزايد فيه حاجتها الماسة للدعم الخارجي لتعويض خسائرها. وأدى هذا الوضع المأزوم، إلى البحث عن قنوات خارجية لتنفيس جانب من ضغوط الاحتقان الداخلي من جانب طرفي الأزمة، فالمعارضة سعت إلى الحصول على دعم دول الجوار ومجموعة أصدقاء الشعب السوري للتصدي لممارسات النظام القمعية، في حين لجأ النظام بدوره إلى محاولة إحداث توتر في بعض دول الجوار التي تشكل سنداً للانتفاضة، فتم إطلاق النار من الحدود السورية أكثر من مرة على بعض المناطق الحدودية في تركيا، بهدف تحويل الاهتمام مما يحدث في سورية، إلى ما يسميه بالخطر القادم من وراء الحدود، كما تم توجيه الاتهامات لبعض القوى الإقليمية الأخرى بدعم الجماعات المسلحة والمسؤولية عن استمرار الأزمة الراهنة.

ولم يسلم لبنان بطبيعة الحال من التحرشات السورية، فقد وجدت بعض المناطق الحدودية نفسها منغمسة في تداعيات الأزمة، التي سرعان ما انتقلت إلى داخل لبنان بحكم تباين مواقف القوى والطوائف اللبنانية المختلفة من الانتفاضة. فمدينة طرابلس، ذات الأغلبية السنية، التي تحولت بحكم الأمر الواقع إلى ما يشبه القاعدة الخلفية للمعارضة السورية، شهدت اشتباكات بين عناصر مسلحة من الفئات المؤيدة للنظام السوري، وتلك المعارضة له، أسفرت عن سقوط عدد من القتلى، الأمر الذي جدد المخاوف من سقوط لبنان مجدداً في دائرة الاقتتال الطائفي.

ومن المعروف أن أسباب التوتر وعدم الاستقرار قائمة في لبنان، حتى قبل تصاعد الأزمة السورية. فالانقسام السياسي والصراع بين فريقي 14 و8 آذار تفاقم منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في عام 2005، وما تلا ذلك من انسحاب قسري للقوات السورية من لبنان، واستمر هذا الانقسام قائماً حتى قبل الأزمة السورية على خلفية تباين المواقف الداخلية من النظام السوري والمحكمة الدولية الخاصة بمقتل الحريري. ومع تفجر الأزمة السورية، بدا الانقسام واضحاً بين جماعة 14 آذار التي أخذت تصطف إلى جانب المعارضة السورية، وقوى 8 آذار، وعلى رأسها حزب الله، التي وقفت بقوة إلى جانب النظام السوري.

ويصعب فصل التوتر الذي حدث أخيراً في شمال لبنان، عن تداعيات الأزمة السورية. فإلقاء القبض على شادي المولوي، المنتمي لجمعيات إسلامية سلفية تدعم الثورة السورية، أدى إلى اعتصام متعاطفين معه في ساحة النور بطرابلس، إلى أن تم الإفراج عنه. ثم عاد التوتر من جديد إلى شمال لبنان بين منطقتي باب التبانة وجبل محسن، (ذات الأقلية العلوية). وتصاعد التوتر بعد حادث مقتل الشيخين أحمد عبد الواحد ومرافقه محمد حسين المرعب، عند حاجز للجيش اللبناني في عكار الذي كان متواجداً بكثافة للفصل بين مهرجانين مقامين في بلدة حلبا، الأول (نظمه الحزب السوري القومي الاجتماعي) الداعم للنظام السوري، في ذكرى مجزرة حلبا، والثاني على بعد أمتار منه، لأنصار النائب خالد الضاهر (من تيار المستقبل) في ذكرى "شهداء أحداث آيار". واقترب لبنان مجدداً مع تطورات هذه الأوضاع من حالة الاهتزاز الأمني والسياسي، بعد امتداد الاشتباكات إلى شوارع بيروت والمناطق المحيطة، مذكراً بوقائع "الحرب الصغيرة" التي حدثت بين الفريقين في لبنان عام 2008.

وجاءت رسالة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، لرئيس الجمهورية اللبنانية، معبرة عن القلق من الأحداث الأخيرة التي يتعرض لها السنة في لبنان، فيما مثلت رسالة الحكومة السورية التي أرسلت للأمم المتحدة مؤشراً إضافياً على تصعيد الأزمة مع لبنان؛ حيث تضمنت اتهامات بوجود مناطق حاضنة لعناصر "إرهابية" من تنظيم القاعدة في لبنان، وتزايد نشاط تهريب السلاح إلى سورية من لبنان. وقد عززت هذه الاتهامات المخاوف العربية والإقليمية من أن تكون مقدمة لإحداث قلاقل على نطاق واسع بلبنان، وهو أمر غير مستبعد، ولاسيما إذا تفاقمت حدة الأزمة السورية وتحولت إلى حرب أهلية.

ومثلت حادثة قيام عناصر من قوات المعارضة السورية بخطف أكثر من 10 لبنانيين شيعة في مدينة حلب بينما كانوا عائدين من زيارة لإيران عبر الأراضي السورية، مؤشراً مهماً على التهديد الذي تمثله الأزمة السورية على لبنان؛ حيث رأي البعض في ذلك استهدافاً طائفياً لشيعة لبنان على خلفية مواقفهم الداعمة للنظام السوري، محذرين من أن يؤدي هذا التطور، في حال لم يتم الإفراج عن المختطفين، إلى تفجير التوترات الطائفية داخل لبنان.

إن الأمر الذي لا شك فيه هو أن استمرار الأزمة الراهنة في سورية دون تحرك جاد لإيجاد مخرج سياسي لها، سيكون له تداعياته الخطيرة، ليس فقط على سورية، التي أصبحت تواجه شبح الحرب الأهلية، وإنما أيضاً على مجمل أوضاع المنطقة، ولاسيما لبنان، الذي من الصعب إبقاؤه بمنأى عن العواصف السياسية القادمة من سورية.

Share