الأزمة التونسية تراوح مكانها وقد تتفاقم

  • 21 فبراير 2021

ما زالت الأزمة الحكومية في تونس تراوح مكانها وقد تتفاقم بعد إعفاء رئيس الحكومة هشام المشيشي خمسة وزراء من مهامهم، وتوزيع حقائبهم على وزراء آخرين في الحكومة لتوليها بالإنابة؛ في محاولة كما يبدو للتخفيف من حدّة الأزمة؛ ولكنها قد تزيد الأمر سوءًا؛ في ظل رفض قيس سعيد، الرئيس التونسي، أي تعديل وزاري دون التشاور معه؛ بينما لا يوجد حتى الآن ردود أفعال واضحة على دعوة راشد الغنوشي، رئيس البرلمان، لاجتماع ثلاثي برئاسة سعيد لمناقشة الأزمة.

قرار رئيس الحكومة جاء في ظلّ خلافات حادّة بينه وبين الرئيس قيس سعيّد على خلفية التعديل الوزاري الذي أجراه المشيشي في الحكومة يوم 16 فبراير الماضي، رغم إعلان الرئيس صراحة رفضه لذلك؛ فهو يعتبر التعديل الذي شمل 11 وزيرًا بينهم وزراء مقرّبون من الرئيس، إجراءً غير دستوري وتم بعيدًا عن التشاور معه، على عكس ما يقتضيه الدستور.

ولم يكن أمام الرئيس والحالة هذه سوى رفض أداء الوزراء الجدد اليمين الدستورية أمامه، حيث لم يرسل دعوة رسمية للوزراء بذلك، ولم يصدر المرسوم الرئاسي لتعيينهم في مناصبهم؛ ما أجبر المشيشي كما يبدو على إعفاء بعض الوزراء الجدد ربما في محاولة لتخفيف حدّة الخلاف مع الرئيس؛ ولكن هذا لن يحلَّ المشكلة؛ لأن الرئيس يصرّ على أن يتم التعديل وفقًا للدستور وهو ما يعني بكل بساطة أن يتم بالتشاور معه.

ويرفض سعيّد التعديل لأنه يضم، كما قال، وزراء فاسدين وآخرين تدور حولهم شبهات تضارب مصالح؛ وهذا ما أكّدته بالفعل مصادر مستقلة؛ حيث نشرت منظمة «أنا يقظ» غير الحكومية المتخصصة في ملفات الفساد في تونس، تقاريرَ أكدت فيها وجود شبهات في تضارب مصالح وفساد «جدية» تحوم حول الوزراء الذين اقتُرحت أسماؤهم حينَها، وهم الهادي خيري لوزارة الصحة، وسفيان بن تونس لوزارة الطاقة والمناجم ويوسف فنيرة وزير التكوين المهني والتشغيل، ويوسف الزواغي للعدل؛ وقد أعفاهم جميعًا باستثناء وزير الصحة الذي بقي في منصبه؛ ولكن المشيشي أكد أنه يبقى منفتحًا على كلّ الحلول الكفيلة باستكمال إجراءات التعديل الوزاري، ليتمكن الوزراء المقترحون من مزاولة مهامهم في إطار الدستور؛ وهذا بالطبع يتطلب قبول الرئيس بأدائهم اليمين الدستورية أمامه؛ وهو أمر لا زال غير واضح حتى الآن.

والحقيقة أن التعديل الحكومي الذي أثار كل هذا الجدل، يبدو مظهرًا من مظاهر أزمة أعمق في البلاد، وتتمحور حول تنازع الصلاحيات بين الرئاسة والحكومة، ومعهما البرلمان؛ حيث تسعى بعض القوى إلى تجريد الرئيس من صلاحياته؛ وقد جاء التعديل الوزاري أصلًا بناءً على مطالب من هذه القوى وفي مقدمتها حركة النهضة وحزب قلب تونس الذي كان يطالب بحقائب وزارية؛ وكل هذا وفقًا للعديد من المراقبين، يستهدف الرئيس قيس سعيّد بشكل مباشر، خصوصًا أن التعديل الحكومي شمل عددًا من الوزراء المحسوبين عليه. وترافق هذا مع دعوة راشد الغنوشي، رئيس مجلس نواب الشعب، إلى ضرورة إقامة نظام برلماني كامل؛ لتجاوز إشكالات قد تحدث من جرّاء المزج بين النظامين الرئاسي والبرلماني القائم الآن، والمعروف بالنظام المختلط.

ومن الواضح أن البلد قد دخل أزمة دستورية؛ حيث يرى كل طرف أنه يعمل وفقًا للدستور؛ وهذا يستدعي حلًّا للنزاع؛ ولكن المشكلة، وما يعقّد الأمر، هو عدم وجود محكمة دستورية تبتُّ في الأمر؛ حيث لم تتمكن الأطراف السياسية على مدار ستّ سنوات من إرساء المحكمة الدستورية المخوَّلة حصرًا النظر في الخلافات التي تنشب بين السلطات ومنها الخلاف حول التعديل الوزاري، وذلك طبعًا بسبب التجاذبات السياسية المتواصلة بين هذه الأطراف.

في ظل هذه الأجواء المشحونة وجّه راشد الغنوشي، رئيس البرلمان، رسالة للرئيس سعيد يدعوه فيها لعقد اجتماع ثلاث للرئاسيات الثلاث لحل الأزمة السياسية؛ بينما تتصاعد الدعوات التي تطالب باستقالته من رئاسة البرلمان.

Share