الأزمة الاقتصادية وصِدامات الشارع تضعان لبنان على صفيح ساخن

  • 18 يوليو 2020

«على صفيح ساخن» هو الوصف الأقرب إلى واقع لبنان الحالي، في ظلّ الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة التي تعصف به، وتدفع شعبه مرة أخرى للخروج إلى الشارع للمطالبة بالإصلاح الاقتصادي، وبوقف التدهور في مستوى المعيشة الذي وصل إلى حدّ لم يعُد معه الكثير من المواطنين قادرين على تأمين احتياجاتهم المعيشية اليومية.
يُواصل اللبنانيون احتجاجاتهم مطالبين بضبط الارتفاع الجنوني في أسعار السلع الأساسية والمواد التموينية الضرورية، التي بلغت مستويات قياسية بعد انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية أمام الدولار الأمريكي، الذي وصل إلى 9 آلاف ليرة، وكذلك بحل المشكلات التي تُعانيها خدمات الكهرباء والماء والاتصالات والإنترنت، التي باتت تتعرض لانقطاعات متوالية ومتكررة، الأمر الذي يُضاعف معاناة الناس، ويزيد من حالة الاحتقان في صفوفهم.
التطوُّرات في لبنان تتسارع بوتيرة كبيرة، وتُنذر بتدهور الأوضاع وخروجها عن السيطرة، خصوصاً بعد الصدامات المتزايدة بين المتظاهرين وقوات الأمن والجيش، التي يبدو أن جهات تريد إيصال الأمور إلى ما هو أسوأ تُحاول استغلالها للدفع نحو مزيد من التأزيم، الأمر الذي تؤكده الهجمات المسلحة التي تعرضت لها دوريات ومواقع للجيش اللبناني في منطقة بعلبك مؤخراً، وأدت إلى مقتل جندي؛ والتي سبقتها حوادث إطلاق نار أخرى في أكثر من موقع من مواقع الحواجز التي يقيمها الجيش لاحتواء الاحتجاجات.
وما يزيد منسوب الغضب في الأوساط الشعبية اللبنانية استمرار الفساد المستشري في الكثير من القطاعات الحكومية، الذي كان آخر فصوله ما كشفه مدير عام وزارة المالية المستقيل ألان بيفاني من أن البنوك اللبنانية هرّبت ما يقرب من 6 مليارات دولار منذ شهر أكتوبر الماضي الذي شهد بداية الاحتجاجات في البلاد، في الوقت الذي يُمنع فيه المواطن اللبناني من سحب ودائعه الدولارية بحجة المحافظة على العملة الصعبة ومنع تحويلها أو تهريبها إلى الخارج.
احتجاجات اللبنانيين، والأوضاع الصعبة التي يعيشونها، دفعتا الأمم المتّحدة إلى التحذير من أنّ الوضع الاقتصادي في هذا البلد يخرج بسرعة عن السّيطرة، ومن أنّ مواطنيه الأكثر ضعفاً يُواجهون خطر الموت بسبب هذه الأزمة، الأمر الذي يتطلّب تحرّكاً دولياً عاجلاً لتدارُك الموقف، وتقديم المساعدات التي تُوقف التدهور الحاصل قبل فوات الأوان، وكذلك إصلاحات داخلية عاجلة تستجيب لاحتياجات الشعب الأساسية، خصوصاً في مجالات الغذاء والكهرباء والصحة والتعليم.
وبرغم الاحتجاجات الشعبية والتحذيرات الأممية، فإن الحكومة اللبنانية ما زالت تراهن على مفاوضات صندوق النقد الدولي المتعثرة، التي تطالبها بإجراء إصلاحات ضرورية وهيكلية، وهي إصلاحات ما زالت مثار جدل داخل الحكومة نفسها التي ناشدها الصندوق، مؤخراً، التوافق على خطة للإنقاذ المالي ليتمكن من تقديم الدعم اللازم لها؛ كما أنها محل خلاف بين الحكومة والبنك المركزي بشأن حجم الخسائر في النظام المالي وكيفية توزيعها، وهو الخلاف الذي دفع الجهات المانحة إلى تحذير الحكومة ورئيسها حسان دياب من محاولة إخفاء أرقام الخسائر الحقيقية الناجمة عن هذه الأزمة المالية.
كما أنّ الصراع السياسي في لبنان ما يزال على أشدّه، وهو مرشح للتحول إلى مواجهة مباشرة بين غالبية الشعب اللبناني، وأنصار وأتباع حزب الله وحلفائه الذين يصرون على المكابرة، ويواصلون جرّ البلاد نحو المجهول تحت شعارات خاوية وذرائع واهية، على الرغم من تراجع التأييد الذي يحظون به إلى مستويات غير مسبوقة حتى في مناطق نفوذهم التي كانت تُجمع، بشكل كامل حتى وقت قريب، على التأييد المطلق والتبعية الكاملة لهم.
الخلل في ميزان التحالفات في لبنان، والصراع المستمر بين تياراته السياسية، وإصرار حزب الله وحلفائه على الاستمرار في اختطاف قرار البلاد، تُنذر بارتماء لبنان في الحضن الإيراني، وتحوّله إلى ساحة جديدة لصراعات نظام الولي الفقيه الدونكيشوتيّة، بحجة تقديم المساعدات لإنقاذه من أزمته المالية، على الرغم من أنه لا يمكن لطهران حالياً تقديم أي شكل من أشكال الدعم الاقتصادي في ظل حالة شبه الانهيار في اقتصادها نتيجة سياسة الضغط الأقصى التي تمارسها الولايات المتحدة الأمريكية عليها، والتي أدت إلى خنق صادراتها النفطية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات