الأزمة الإيرانية عند حافة الهاوية

  • 28 فبراير 2010

على الرغم من سيادة اقتناع عام بين الدوائر السياسية بأن العمل العسكري ضد إيران ليس وارداً في أجندة إدارة الرئيس باراك أوباما، فإن البديل المتمثل في الحوار مع طهران والسعي إلى حل تقني-دبلوماسي للأزمة النووية الإيرانية لا يبدو فاعلاً. وكما حصل مع ملف السلام في الشرق الأوسط، تبدد زخم اندفاع أوباما نحو تسوية الملف النووي الإيراني، وتحول إلى ما يشبه الإحباط. ولذا يكثر التساؤل عن مكمن الخطأ. وفي رأيي، يتجسد الخطأ واقعياً في عدم إدراك أمرين: أولهما يتعلق بثقل تراث الحذر والعداء بين الولايات المتحدة وإيران، وثانيهما يتمثل في فهم قاصر ومشوش لما تعلنه إيران عن أهدافها النووية والاستراتيجية.

وفي الآونة الأخيرة، عاد فريق من الخبراء والمتابعين إلى توقع حصول عمل عسكري ما، دون أن يكون لديهم تصور واضح له. وفي تفسير ذلك، يشير هؤلاء خصوصاً إلى انسداد آفاق الحلول السلمية، والاضطرار إلى العودة مجدداً إلى نهج العقوبات. غير أنهم يتوجسون من هذه العقوبات؛ لأن هناك عزماً أمريكياً وإصراراً إسرائيلياً على جعلها مؤلمة، كما لو أنها ضربة عسكرية. وعندئذ، لا يمكن أن تقف إيران مكتوفة الأيدي و"مشلولة"، وفقاً للتوصيف الذي أطلقه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نيتانياهو، في توضيحه لنوعية العقوبات المطلوبة.

وفي الحقيقة، هناك شعور متزايد بأن الأزمة دُفعت إلى حافة الهاوية. ولا شك في أن الإعلان الأمريكي عن نشر صواريخ دفاعية في أنحاء الخليج العربي اعتبر كمعطى مبدل للأجواء. وقد ساهمت إيران، وتساهم في سياسة حافة الهاوية هذه؛ برفضها للعرض الدولي بتبادل اليورانيوم منخفض التخصيب بالوقود النووي، وإعلانها البدء في رفع درجة التخصيب والشروع في إنشاء مزيد من المفاعلات، ونقلها كل مخزونها من الوقود النووي تقريباً إلى أحد المفاعلات الأرضية المكشوفة، فضلاً على اعتبارها أية عقوبات جديدة عدواناً ستتصدى له. ومن خلال ذلك كله، كانت طهران تؤكد حسمها لأمرين: لا وقف للتخصيب، ولا خضوع للعقوبات. وهو ما دأب الرئيس محمود أحمدي نجاد على التعهد به منذ حملته الانتخابية قبل نحو عام.

ومع أن الدوائر الغربية لا تتحدث كثيراً عن التهديدات الإسرائيلية، إلا أنها دائمة القلق منها. بل إن الأكثر قلقاً هو المراجع الأمريكية التي تبقي التشاور مع الإسرائيليين بخصوص إيران بصورة شبه يومية. وبالطبع هناك تفاهم بين الطرفين، غير أن تل أبيب تحافظ على الخيار العسكري، ولا تخفي أنها قد تلجأ إليه في حال وجدت أن الحلول الدبلوماسية لا تحقق لها مصالحها. ولذلك، تطالب إسرائيل بعقوبات قصوى معوقة لإيران، وإلا فإنها يمكن أن تقوم بضربة عسكرية بمعزل عن أي تنسيق مع الولايات المتحدة أو سواها. وهذا ما أكده بنيامين نيتانياهو للقيادة الروسية في زيارتيه السرية والعلنية لموسكو.

بيد أن الخبراء يشككون في جدوى أي ضربة عسكرية إسرائيلية؛ بالنظر إلى تحصينات المواقع النووية الإيرانية، وتوزعها الجغرافي. وحتى أولئك الأشد مناصرة لإسرائيل في واشنطن لا يؤيدون ذهابها بقرار أحادي إلى حد توريط الولايات المتحدة في حرب لا تريدها، أو بالأحرى لا تريدها الآن؛ أي قبل إنهاء التورط الحالي في العراق وأفغانستان. ومن المستبعد عملياً أن تجازف إسرائيل بتورط غير منسق، في ضوء أن رهانها لا يقتصر على توجيه ضربة مباشرة لإيران، بل يشمل بالضرورة استهداف الدفاعات الصاروخية المتجددة في كل من لبنان وسورية. وهو ما يعبر عنه حالياً باحتمالات الحرب التي لا تزال كلامية، لكنها قد تنفجر لأي سبب أو ذريعة.

والمقلق الآن أن الجهود الدبلوماسية متجهة إلى إغلاق خط البحث عن حلول للتركيز على تأمين "تحالف" من أجل فرض عقوبات مشددة على طهران. وإذا افترضنا أن قراراً بهذا الشأن سيصدر في غضون شهرين على الأكثر، كما تتوقع وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون، فإنه سيعني انسداداً مديداً للجهود السلمية، لا يُعرف متى وكيف سينتهي. والمقلق أكثر أنه حتى الاتصالات السرية الأمريكية-الإيرانية، والتي يعتقد عن خطأ أو صواب أنها جارية ومستمرة، لا يبدو أنها توصلت إلى تحقيق أي احتمالات اختراق مفاجئ. فالطرفان باتا منذ زمن أسيري مواقفهما، وتحدي كل منهما للآخر. والأخطر أن هذا الحوار السري، على افتراض أنه صحيح، لم يتمكن من وضع تفاهمات حد أدنى؛ ما يدعو إلى الاعتقاد إما أنه لم يرق فعلاً إلى مستوى الحوار، أو أنه لا يُدار على نحو سليم. ومن ثم، نتساءل عما عناه أوباما فعلاً عندما تحدث، في مناسبات عدة، عن مقاربة جديدة في العلاقات مع إيران، وإمكانية التحاور معها وأهميته. وهل بنى الرئيس الأمريكي خياره هذا على أوهامٍ وتمنيات، أم على إدراك حقيقي لطبيعة العلاقات المتوترة بين البلدين؟

وفي هذا الخصوص، يقول مرجع خليجي، في أحاديث خاصة، أن واشنطن وطهران لم تغيرا سياستيهما قيد أنملة، على الرغم من إبدائهما الرغبة في إنجاح المساعي الدبلوماسية. والواقع أن أمريكا لا تملك سيطرة كاملة على كل تفاصيل الخيارات العسكرية. ولذلك، لا تزال تستبعدها، من دون أن تفلح في تفصيل الخيار الدبلوماسي. أما إيران، فتعتبر أن انطلاقة أي حل سلمي سوف تكون مشروطة بوقف التخصيب، وبالتالي منعها من امتلاك طاقة نووية. لذا، فهي ترفضها، ولا تتردد في مناوراتها السياسية من ممارسة أقصى درجات الاستفزاز استدراجاً لتنازلات لا يستطيع الطرف الأخر تقديمها. وبالتالي، فإن الأزمة النووية الإيرانية غير مرشحة لأي انفراج قريب. 

ويعتقد دبلوماسي عربي أن فشل إدارة أوباما في تحريك عملية السلام في الشرق الأوسط باتجاه تسوية معقولة، وربط ذلك بمساعي حلحلة مع إيران هو ما أدى إلى الغموض والالتباس الحاليين في كلا القضيتين. ويضيف أن تصلب الحكومة الإسرائيلية وسلبيتها تجاه الأطروحات الأمريكية شجعا إيران أيضاً على التصلب. وهكذا، وجدت إدارة أوباما نفسها عاجزة عن أي مبادرة على الرغم من كل النوايا الحسنة التي تبديها.

وتخشى الدول الغربية، وكذلك الخليجية، أن يذهب رد الفعل الإيراني على العقوبات الجديدة المحتملة إلى حد المس بحرية تدفق النفط أو سلاسة تسويقه، خصوصاً أن بعض هذه العقوبات سيصيب قطاع النفط الإيراني، وسيشكل تضييقات منهجية على التعاملات المالية والمصرفية. ففي هذه الحال، سيفرض التوتر نفسه ليكون مفتوحاً للتصاعد، وعلى أسوأ الاحتمالات. وإذا ترافقت أي إجراءات إيرانية مضادة مع تفجير ما في الشرق الأوسط، فلا بد أن ينعكس ذلك على الأسواق النفطية، بما ينطوي عليه من بلبلة عالمية.

وفيما يبدو أن مصير هذه العقوبات، شكلاً ومضموناً، يتعلق الآن بمدى تأييد روسيا لها؛ إذ إن الصين تكتفي بالمراقبة. في هذا الصدد، تحاول موسكو إبقاء البحث في العقوبات في إطار واقعي؛ ما يعني أنها لن تجاري الإسرائيليين في التشدد، ولن تخذل الأمريكيين في ضرورة إبداء الصرامة والحزم. فما يهم موسكو عملياً هو أن تتمكن من إحراز مصلحة ما لها في الملفات العالقة مع الغرب والولايات المتحدة، وخصوصاً فيما يتعلق بالتوصل إلى معاهدة جديدة لتخفيض الأسلحة الاستراتيجية (المعروفة باسم ستارت 3)، وبالخطط الأمريكية لإقامة نظام دفاع صاروخي مضاد للصواريخ متوسطة وقصيرة المدى حول أوروبا. فإذا حصلت روسيا على ما تريد غرباً، تتشدد مع إيران جنوباً. لكنها ، في كل الأحوال، تسعى إلى عقوبات أكثر من شكلية، وأقل من معوقة. ولذلك، فإنها تستعد لمفاوضات ماراثونية بشأنها.

Share