الأزمة الإيرانية.. عقوبات ومفاوضات

  • 30 مايو 2010

لا تستطيع الدول الكبرى التخلي عن فكرة فرض عقوبات جديدة على إيران، لكنها لا تستطيع في الوقت نفسه اعتبار الاتفاق الإيراني- التركي- البرازيلي بشأن مبادلة اليورانيوم منخفض التخصيب بوقود نووي كأنه لم يكن، أو كأنه غير ذي معنى.. هذا هو الواقع الذي نشأ في ربع الساعة الأخير من هذا الفصل في الأزمة مع إيران.

فالدخول التركي- البرازيلي لا يمثل الدولتين فحسب، وإنما يعبر عن رأي عام دولي يعكس صعود ما يسمى "القوى الناشئة" والقوى الطامحة التي أصبحت أكثر تململاً في التعاطي مع النمط السائد من السياسة الدولية. وما يميز هذه الدول أنها لا تناصب الدول الكبرى، ولاسيما الولايات المتحدة، عداءً مكشوفاً على الطريقة الفنزويلية مثلاً، وإنما تحاول شق طريق ثالث، أو إطفاء الحرائق حيثما أُتيح لها ذلك وحيثما تجد ذلك ضرورياً. وحتى لو لم يكن ذلك عبر تفاهمات ضمنية أو سرية، فإنه يقدم قراءة أخرى لسياسات "نادي الكبار".

لذلك اجتهد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في الترويج للاتفاق الثلاثي على أنه يقدم "فرصة" وليس "حلاً"، مع العلم بأن طهران راحت تردد كل يوم تقريباً أنها ستعيد النظر في هذا الاتفاق إذا فرضت العقوبات. كما أن البرازيل واصلت رفض التعامل مع منطق العقوبات، ودعت إلى النظر في الموقف الإيراني كما يعبر عنه الاتفاق. لذلك انتقلت الولايات المتحدة من نهج مواصلة الضغوط إلى نهج "درس" الاتفاق، وجارتها في ذلك فرنسا وبريطانيا وألمانيا، لتجد أن هناك "ثغرات" فيه، بما لا يبرر قبوله كما هو.

وأول من يعلم بوجود تلك الثغرات هي إيران نفسها. إذ كان العرض الأساسي الذي قُدّم إليها في أكتوبر2009 أخذ في الاعتبار المعطيات المعروفة عن برنامجها النووي في ذلك الوقت، وكان مطلوباً من إيران أن تستجيب للعرض في غضون أسبوع. لكن الشهور السبعة التي استُهلكت قبل أن تستجيب أتاحت تطوير تلك المعلومات، وبالتالي برزت حاجة إلى تطوير ذلك العرض أو تعديل شروطه.

كان الاتفاق الثلاثي أحدث مفاجأة مربكة للدول الخمس زائد واحد؛ لأنها كانت بلغت ذروة الاتصالات لإقرار العقوبات الجديدة. ثم بدا مفهوماً أن تُبقي الولايات المتحدة الضغط، أقله لجعل اللعبة متعادلة؛ لأن إيران أرادت بترتيبها ذلك الاتفاق تغيير بعض شروط التعامل مع الأزمة، وأهمها شرط وقف التخصيب نهائياً. ورغم أن الدول الكبرى بدت في تضامنها على مواصلة مسار العقوبات وكأنها ترفض خروج القرار من كنف "نادي الكبار"، فإنها عبرت أيضاً عن وجود تفاهم ثابت فيما بينها على مبدأ عدم تمكين إيران من حيازة سلاح نووي. ويعني ذلك أن هذه الدول متفقة عموماً على أن إيران لم تتمكن من إثبات مصداقية كافية للطابع السلمي لبرنامجها النووي، بدليل أن هناك جوانب سرية فيه لا تنفك تظهر علناً من حين إلى آخر أو تكشفها أجهزة الاستخبارات، كما حصل قبيل اضطرار طهران للإبلاغ عن محطة نووية قرب قم.

في المقابل، وعلى افتراض أن هناك رغبة حقيقية في بلورة حل سلمي دبلوماسي للأزمة، فإن انعدام الثقة بين الطرفين من شأنه أن يحول دائماً دون إنجاز أي خطوة. ولعل هذا ما تبين من مطالبة إيران بـ"ضمانات" لمقايضة اليورانيوم المخصب بوقود نووي، ولا يبدو أن أياً من الدول الكبرى بما فيها روسيا والصين استطاعت أن توفر تلك الضمانات، ولذا انبرت تركيا والبرازيل لحل هذه العقدة. صحيح أن الرد الدولي لم يعترض عملياً على تحرك هاتين الدولتين، إلا أنهما لا تشاطران الدول الكبرى تفاهمها الأساسي بشأن وقف التخصيب، بل يهمهما مبدئياً تثبيت "الحق في التخصيب" لأي دولة موقعة وخاضعة لمعاهدة الحد من انتشار السلاح النووي. كما أنهما لا تؤيدان في المطلق النظرة الغربية إلى إيران كدولة يصعب الوثوق بها، بل تعتقدان أن الرقابة الدائمة على الأنشطة الإيرانية يمكن أن تلبي الشروط المطلوبة لـ"الأغراض السلمية" لأي برنامج نووي.

دائماً كان هناك لعب على الغموض، ليس بين إيران والدول الكبرى فحسب، بل بين هذه الدول ذاتها بسبب تفاوت المصالح أو تداخلها. وإذ تنظر الصين وروسيا إلى البرنامج النووي الإيراني على أنه لا يشكل الخطر الذي يتحدث عنه الغرب، فإنهما حاولتا أولاً إقناع الغربيين بوجهتي نظرهما، وعندما وجدتا أن الدول الغربية مصرّة على تقييمها لهذا البرنامج، رأت بكين وموسكو عندئذ أن تحققا مصالحهما؛ فمن جهة: صفقات مع الغرب للضغط على إيران، ومن جهة أخرى: صفقات مع إيران لتليين الموقف الغربي أو تمييعه لمصلحتها. ويعود ذلك إلى أن الصين وروسيا لا تعانيان تراثاً عدائياً مع إيران، كما هي الحال بالنسبة إلى الولايات المتحدة. ثم أنهما لا تعانيان "عقدة إسرائيلية" كما هي الحال بالنسبة للشركاء الغربيين الأربعة الآخرين. وهكذا نجد أن الروس والصينيين دعموا العرض الذي قدمته وكالة الطاقة الذرية لتبادل اليورانيوم مع علمهم بأن إيران ترفض شرطه الأساسي، أي وقف التخصيب، ثم أنهم دعموا مسار العقوبات لكنهم حرصوا على التخفيف منها لئلا تؤدي إلى تعطيل مصالحهم مع إيران. ومع ذلك لا يمكن لهذا التكتيك أن يستمر على حاله، خصوصاً متى اقتربت المناورات من النقطة التي يتعين عندها اتخاذ قرار واضح.

ما المتوقع في نهاية التجاذب الحالي؟ لا شك في أن واشنطن تريد إثبات سلطتها وقدرتها على فرض العقوبات بغية إفهام طهران أن الموقف من برنامجها النووي جدي ولم يطرأ عليه أي تغيير. في الوقت نفسه، ووفقاً للصياغة الصينية فإن مساري العقوبات والدبلوماسية يجب أن يستمرا. وترجمة ذلك عملياً أن التفاوض المقبل يمكن أن يأخذ في الاعتبار استعداد إيران للتجاوب مع مطلب التبادل، أي إن الاتفاق الثلاثي سيحتاج إلى تعديل. طبعاً ستعتبر طهران أن هذا الاتفاق سيصبح بحكم الملغي طالما أنه لم يؤخذ به للتخلي عن العقوبات. هنا قد يصار إلى دفع تركيا والبرازيل وتشجيعهما على إقناع إيران بتطوير موقفها.

ورغم أن الإيرانيين يقللون من خطورة العقوبات، فإن استهدافها للحرس الثوري وأنشطته وتعاملاته المالية لا بد أن يؤثر في عمله على المدى الطويل، ما قد ينعكس سلبياً على ممارساته الداخلية أو حتى على ردود فعل أطراف خارجية مرتبطة به، ومنها "حزب الله" في لبنان أو مجموعات أخرى في العراق وفلسطين. أي إن الضغوط التي ستشكلها العقوبات لا بد أن تظهر في مكان ما، ومن شأن ذلك أن يصعّد التوترات ويعيد إلى التداول احتمالات وسيناريوهات حربية برزت إلى الواجهة خلال الأسابيع الأخيرة. لكن المراقبين يٌجمعون على أن الدول الكبرى ستبقى متمسكة بنهجها الحالي في التعامل مع الأزمة النووية، ويعتقدون أنه إذا كان لمبدأ ضرب المنشآت الإيرانية عسكرياً أن يُطرح فإن ذلك قد يأتي لاحقاً بعد استنفاد المفاوضات وبعد اللجوء إلى تشديد آخر للعقوبات، وبالتالي طرح الخيارات كافة في مجلس الأمن. فهذا هو التوجه الأمريكي الحالي في حدود ما تعبر عنه المواقف الرسمية ودروس حرب العراق.

لكن تنبغي الإشارة إلى تغيير طفيف طرأ أخيراً على صياغة المواقف الغربية؛ إذ بدأت ترد أكثر فأكثر إشارات إلى أن الحاجة لحل دبلوماسي باتت تتطلب تغييراً جذرياً في طهران. معلوم أن الغرب لا يحبذ عموماً طبيعة النظام الإيراني، لكن الحكومات تعاملت معه باعتباره أمراً واقعاً، حتى أنه بدا في الأعوام الأخيرة كأن هذه المسألة تم تجاوزها، إلا أن تعثر الحل السلمي للأزمة النووية عاد فطرحها. لا يمكن القول الآن إن السياسات الرسمية استعادت فكرة "تغيير النظام"، إلا أنها تعود شيئاً فشيئاً إلى الأبحاث والتحليلات، وذلك بعدما استُهلك الكلام عن "تغيير سلوك النظام" خصوصاً بالنظر إلى الطريقة التي تعامل بها مع الإصلاحيين في الداخل. ولا يُعتبر هذا التوجه واقعياً أو حتى عملياً، لكن خطورته تكمن في أن دوائر التخطيط بلغت اقتناعاً مفاده أن الحل السلمي الدبلوماسي قد يكون طريقاً مسدوداً.

Share