الأزمات الاقتصادية واستقرار أسعار النفط: إلى متى؟

  • 27 سبتمبر 2011

تهيمن غيمة سوداء فوق الاقتصاد العالمي عامة، والأوروبي خاصة، بسبب القلق من قدرة اليونان على الوفاء بالتزاماتها ودفع ديونها. كما أن هناك غيوماً أخرى في الأفق لا تقل خطورة عنها؛ إذ ثمة تساؤل عن الدول الأوروبية التي ستلحق باليونان، وهل ستكون إيطاليا أم إسبانيا أم البرتغال؟ بل إن هناك حديثاً يشير إلى أنه حتى فرنسا أصبحت معرضة للخطر بسبب انكشاف بعض أكبر مصارفها للديون اليونانية. وطبعاً، الخطر الأهم أوروبياً هو: ما هو مصير اليورو في حال تأزم الأمور في "القارة القديمة" أو في حالة إخفاق إحدى الدول الأوروبية في الوفاء بتعهداتها؟ وهناك تساؤلات أيضاً حول وضع الاقتصاد الأمريكي وقوة الدولار أمام العملات الصعبة الأخرى.

لماذا هذه الأزمات الاقتصادية؟ الأمر هنا يختلف بين الوضع الأوروبي من جهة، والأمريكي من جهة أخرى. ففي أوروبا، تكمن المشكلة في كمية الديون التي تراكمت على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وعندما تنبّهت أوروبا لهذه الأزمة، وجدت نفسها دون آلية محددة لكيفية معالجة التحديات. كما برزت مشكلة تحديد الجهة التي ستتحمل أعباء هذه الديون. فاتجهت الأنظار في بادئ الأمر نحو ألمانيا، الاقتصاد الأقوى في أوروبا. لكن تبيّن منذ البداية أن المواطن الألماني المتأفف في كل الأحوال من المستوى العالي للضرائب عليه، وغير الراغب في زيادة ضرائب جديدة، قد أصّر على ضرورة أن يتحمّل المواطن اليوناني والمؤسسات المالية التي أقرضت اليونان وغيرها جزءاً كبيراً من هذه المسؤولية، وعلى أن يتم ضبط نظام الضرائب وعدم فتح المجال للتهرّب في البلد المعني قبل أن يتحمّل المواطن الألماني مسؤوليته تجاه الدول الأوروبية الأخرى. وقد عكست الحكومة الألمانية ذلك الإصرار في مواقفها.

 في نهاية المطاف، تبيّن بوضوح أن إصدار عملة أوروبية موحدة وتأسيس بنك مركزي أوروبي دون وزارة مالية موحدة وحكومة واحدة هو أمر معقد وغير عملي في أثناء الأزمات؛ إذ يأخذ اتخاذ القرارات الحاسمة في ظل غياب حكومة واحدة لليورو وقتاً طويلاً، تكون فيه الأزمات قد تفاقمت. وبالطبع أدت هذه الأزمة الاقتصادية إلى انكماش الاقتصاد الأوروبي ومنعت نموه بمعدلات عالية.

أما في الولايات المتحدة، فالمشكلة تختلف كلياً؛ إذ شكلت حروبها في كل من أفغانستان والعراق وباكستان أعباء ضخمة على موازنة الحكومة الأمريكية. كما شكلت الديون التي تحملتها واشنطن لدفع تكاليف هذه الحروب أعباء تفوق الحدود القانونية المسموحة للحكومة. هذه الأمور ليست بجديدة في واشنطن، ولكن رافقها مؤخراً تطوران مهمان: وجود نسبة عالية من البطالة تفوق 9% من مجموع القوى العاملة، مما يهدد حكومة الحزب الديمقراطي وزعيمه الرئيس باراك أوباما في الانتخابات المقبلة، كما أن "حزب الشاي" اليميني المتطرف، والذي يشكل أعضاؤه جزءاً مهماً من الحزب الجمهوري في الكونغرس يعارض لأسباب عقائدية أي توسع في مهام الحكومة الفدرالية الأمريكية ومسؤولياتها، وقد قرر أن يحارب الحزب الديمقراطي من خلال تعجيز اتخاذ قرارات ذات معنى وفعالية في الكونغرس، مما يعني إضفاء حال من الشلل على الحكومة الأمريكية، وتعجيزها في اتخاذ القرارات الاقتصادية اللازمة، وذلك بحجب الأموال الجديدة عنها.

لقد انكمش الاقتصاد الغربي بسبب العوامل المذكورة أعلاه. فهناك من ناحية غياب القرار الأوروبي خلال فترة حرجة، ومن ناحية أخرى، هناك تحديات أمريكية داخلية أدت إلى إضعاف الحكومة الأمريكية وإضعاف قدرتها على المبادرة في خطوات اقتصادية كبرى. وقد أدى هذا الانكماش الاقتصادي إلى انخفاض معدل زيادة الطلب الأوروبي والأمريكي على الطاقة. ولكن ما ساعد أسواق النفط في هذه المرحلة الدقيقة، هو استمرار النمو العالمي على الطلب ومن ثم استقرار الأسعار، على الرغم من تلك الخضّات الكبرى. ويعود السبب الأساسي في استمرار نمو معدلات الطلب وبنسب عالية، إلى استدامة النمو الاقتصادي في الدول الناشئة (الصين والهند وكوريا والبرازيل). كما ساعد على ارتفاع الأسعار انقطاع إمدادات النفط الليبي عن الأسواق العالمية، والتخوفات التي صاحبت هذه الظاهرة من توسع رقعة الربيع العربي إلى دول أخرى، ومن ثمّ احتمال حصول انقطاعات إضافية في إمدادات النفط الخام. كما ساعد على ارتفاع الأسعار أيضاً العوامل الطبيعية (تسونامي اليابان والهزات الأرضية هناك، إضافة إلى سلسلة الأعاصير والعواصف الاستوائية في خليج المكسيك التي أغلقت الإنتاج البترولي الأمريكي والمكسيكي البحري لفترات مختلفة)

حافظت أسعار النفط على مستويات مستقرة خلال فصل الصيف، مع هبوط ملحوظ في أوائل شهر (آب/ أغسطس). وتشير المعلومات الصادرة عن الأمانة العامة لمنظمة أوبك أن سلة نفوط المنظمة سجلت المعدلات الآتية خلال فصل الصيف: شهر تموز/ يوليو 111.62 دولار للبرميل، وشهر آب/ أغسطس نحو 106.32 دولار، والأسبوع الأول من شهر أيلول/ سبتمبر 110.79 دولار. وهذه المعدلات قريبة جداً من معدل سلة نفوط أوبك خلال الفصل الثاني من هذا العام وهو 112.18 دولار. لكن تبقى هذه الأسعار أعلى بكثير من معدل سعر سلة نفوط أوبك لعام 2010، وهو 77.45 دولار.

وتطرح معدلات الأسعار هذه أسئلة مهمة حول ثلاثة أمور: أولا: سبب ارتفاع المعدل من نحو 77 دولاراً لعام 2010 إلى معدل 110 دولارات خلال الأشهر الماضية، وذلك في ظل أزمات اقتصادية كبرى ومتلاحقة تكاد لا تنتهي منذ عام 2008 حتى يومنا هذا. إذ كان من المفروض في ظل هذه الأزمات الاقتصادية العالمية أن يتقلص الطلب على النفط ومن ثم أن ينخفض سعره.

ثانيا: السبب وراء استقرار أسعار النفط الخام في ظل العواصف الاقتصادية العالمية. وهنا لا بد من الإشارة إلى التزام دول الخليج العربية (السعودية والإمارات والكويت) بتحقيق توازن العرض والطلب على النفط الخام، ومحاولة تحقيق أسعار معتدلة ومستقرة بقدر الإمكان. لقد تبنّت منظمة أوبك هذه السياسة بالإجماع طوال العقد الماضي، لكن برزت الآن تحديات مهمة، متمثلة بمعارضة كلٍّ من إيران وفنزويلا لها. وتشير المعطيات المتوافرة إلى احتمال استمرار هذه المعارضة في المستقبل المنظور. ولاشك في أن المصلحة الوطنية للدول ذات الاحتياطات النفطية الضخمة – التي لديها ما يقارب أو ما يزيد عن 100 بليون برميل من الاحتياطي النفطي (مثل السعودية والعراق والإمارات والكويت- بل حتى إيران وفنزويلا)، تكمن في إطالة عصر النفط إلى أطول فترة ممكنة للاستفادة القصوى من الاحتياطي الضخم المتوفر لديهم، على أن ترتبط هذه الإطالة باستقرار سوق النفط والحصول على سعر اقتصادي مستقر ومعقول، وبالذات في هذه المرحلة التي تشهد المنافسة مع بدائل الطاقة الأخرى. لكن يتضح أن طهران بدأت تتصدى لهذا النهج، لأسباب سياسية محضة تكمن في خلافها مع دول الخليج العربية.

ثالثا: يبقى العامل الأساسي الآخر في استقرار الأسواق، وهو انفصام اقتصاد الدول الناشئة عن الاضطرابات الاقتصادية في الدول الصناعية الغربية، ما يعني أن الطلب على النفط في ارتفاع سنوي رغم الانتكاسات الاقتصادية الغربية. لكن يبقى السؤال، إلى متى ستستمر حال الانفصام هذه، وهي بطبيعة الأمر حالة غير طبيعية؟ تكمن المشكلة الكبرى في محاولة الدول الغربية المحافظة على مستواها الاقتصادي والاجتماعي العالي، وفي الوقت نفسه منافسة بضائع الدول الناشئة في الأسواق العالمية، رغم أن كُلف إنتاجها أعلى بكثير. ولكن في المقابل تعاني الدول الأسيوية الناشئة من تحديات كبرى قد تؤثر سلباً على اقتصادها هي الأخرى في المدى المتوسط، مثل ارتفاع قيمة عملاتها بالنسبة لقيمة العملات في الدول المجاورة، مما يحد من حجم صادراتها- المحرك الأساسي لاقتصادياتها، ومنه تفشي الفساد في الصين (ازدياد ملحوظ لعدد محاكمات الرسميين والحزبيين بتهم الرشاوى والفساد) والهند (تأسيس حركة شعبية واسعة النطاق ضد الفساد)، وارتفاع معدلات التضخم، بالإضافة إلى ازدياد المشكلات الاجتماعية الناتجة عن الهجرات الجماعية من الريف إلى المدن للحصول على الوظائف.

في ظل هذه المعطيات، ما الذي يمكن توقعه لأسواق النفط؟ هناك بعض المؤشرات المهمة التي لا يمكن غض النظر عنها. فهناك، على سبيل المثال، بيان الاتحاد الأوروبي بأن النمو الاقتصادي في منطقة اليورو "سيتوقف تقريباً خلال النصف الثاني من عام 2011". وهناك أيضاً توقعات كل من وكالة الطاقة الدولية ومنظمة أوبك بانكماش اقتصادي وتقلص في الطلب على النفط في النصف الثاني من عام 2011 وخلال عام 2012، ليس فقط من قبل الدول الصناعية الغربية (كما هو حاصل فعلاً حالياً). ولكن، وهنا الخطورة، من قبل الدول الناشئة، في ظل الأخطار التي تحدق باقتصاد كل من الصين والهند (وهما العامل الأساسي في استمرار ارتفاع الطلب العالمي على النفط حتى الآن رغم الخضات الاقتصادية الغربية). وبالطبع، فإن هذه توقعات يجب انتظار صحتها، لكن من الصعب توقع استمرار الأزمات الاقتصادية العالمية منذ عام 2008 وحتى يومنا هذا دون تأثيرات جدية على بقية دول العالم، مثل الدول الناشئة، التي تصدر للغرب المنتجات الصناعية والخدمات الأقل كلفة، أو الدول النفطية التي قد تعاني من انكماش الطلب على النفط إلى مستويات خطرة تؤثر على الأسعار. هذه جميعها احتمالات وفرضيات ستواجه العالم (الصناعي والناشئ والنفطي) في الأشهر المقبلة، ومن الصعب تجاهلها.

Share