الأردن: انتخابات نيابية في ظل تحديات متنامية

ستجري الانتخابات النيابية في الأردن -كما أعلنت الهيئة المستقلة للانتخاب- يوم 10 من نوفمبر المقبل؛ وسط ظروف استثنائية فرضتها جائحة «كورونا»، وفي ظل مصاعب اقتصادية متفاقمة؛ واحتقان مجتمعي تسببت به بعض الأزمات؛ وفي مقدمتها تلك المفتعلة بين المعلمين والحكومة؛ ويلقي كل هذا بظلاله على الانتخابات وطبيعة التحالفات والتنافسات في ظل دعوات للمقاطعة أو التأجيل.

الانتخابات مبدئياً استحقاق دستوري، حيث يوجب الدستور الأردني إجراءها كل أربع سنوات؛ خلال الشهور الأربعة التي تسبق انتهاء عمر مجلس النواب القائم (ينتهي في سبتمبر الجاري)؛ ما لم تكن هناك ظروف تحول دون القيام بذلك؛ مثل إجراءات مكافحة كورونا التي أدت إلى تغيير المواعيد الدستورية هذه المرة. وستجري الانتخابات هذا العام وفقاً لقانون الانتخاب (الجديد) الذي جرت بموجبه آخر انتخابات عام 2016؛ الذي يجمع ما بين نظام القوائم، وقانون «الصوت الواحد»، حيث يقوم الناخب بالإدلاء بصوته لقائمة واحدة فقط من القوائم المرشحة أولاً ثم يصوت لكل واحد من المرشحين ضمن هذه القائمة أو لعدد منهم.

ويتنافس عادة على مقاعد المجلس البالغ عددها 130 مقعداً، عدد كبير من المرشحين الذين ينتمون في غالبيتهم العظمى إلى عشائر أو مناطق، وليس إلى تيارات أو قوى سياسية أو حزبية؛ فلا يوجد على أرض الواقع قوى سياسية لها ثقل حقيقي في الشارع، باستثناء حزب جبهة العمل الإسلامي؛ ولهذا عادة ما يكون التنافس على أشده بين مرشحين على أسس عشائرية أو مناطقية، وليس سياسية أو حزبية؛ ولهذا تفرز الانتخابات عادة برلمانيين في أغلبيتهم مستقلون؛ وهذه ليست مشكلة في ذاتها؛ ولكن المعضلة هي أن مجالس النواب المتعاقبة تميزت بشكل عام بضعف الأداء الذي أفقدها ثقة المواطنين؛ إذ فشلت هذه المجالس في الاستجابة لهموم المواطنين؛ بل ولا يستفيق كثير من أعضائها على مسألة توفير الخدمات أو تحقيق مصالح الناس التي وعدوا بها، إلا عندما يحين الحديث عن الانتخابات مجدداً.

وأياً يكن الأمر، فإن انتخابات مجلس النواب الأردني التاسع عشر هذا العام تواجه فعلاً تحديات مركبة، أهمها:
أولاً، تفشي فيروس كورونا: لا تزال الصورة ضبابية بشأن الكيفية التي ستجري بها هذه الانتخابات وسط انتشار الفيروس، حيث شهدت المملكة منذ بداية أغسطس الماضي ارتفاعاً ملحوظاً في عدد الإصابات المحلية؛ وهناك مخاوف حقيقية من تفشي الوباء؛ وخاصة مع حالة الارتباك وتراجع ثقة الناس بالإجراءات الرسمية للسيطرة على الوباء؛ بعد أن كانت من الأنجح عالمياً في التصدي له والحد من انتشاره، وهذه مشكلة حقيقية؛ ففي مثل هذا الموسم تنتشر اللقاءات المباشرة والاجتماعات بين المرشحين وقواعدهم الانتخابية بصورة يومية تقريباً. وبرغم أهمية التعليمات التي أصدرتها هيئة الانتخابات وخاصة ما يتعلق بإلغاء المهرجانات الانتخابية وتحديد عدد الحضور في المقار الانتخابية… إلخ، ليس للحد من تفشي الفيروس فقط؛ وإنما لمحاصرة ما يسمى المال الانتخابي الذي يعد من أسوأ مظاهر الحياة النيابية في الأردن؛ فإن ضمان الالتزام بهذه الإجراءات أمر ليس سهلاً.
ثانياً، العزوف أو المقاطعة: الخوف من تفشي كورونا ليس التحدي الوحيد الذي يواجه انتخابات مجلس النواب الحالية؛ فهناك تحديات أخرى؛ من بينها مطالب شعبية متزايدة ليس بتأجيلها، وإنما بمقاطعتها كلياً. وهذه الدعوات لا تأتي من التيار الإسلامي كما هو معتاد؛ بل لم يتخذ الإسلاميون بجناحيهم الإخوان المسلمين وحزب جبهة العمل الإسلامي قراراً بعد بشأن المشاركة أو المقاطعة؛ وهناك دعوات داخلهما تدعو إلى المشاركة؛ على أساس أن المقاطعة لم تغير شيئاً؛ وهي تترك البرلمان ساحة لأشخاص لا تهمهم مصلحة الشعب أو الدولة؛ بل المحافظة على مكتسباتهم التي تكون غالباً على حساب الوطن والمواطن؛ ولكن المقاطعة تأتي من قوى اجتماعية وربما عشائرية موالية للنظام وتدعمه.

والحقيقة أن مسألة المقاطعة ليست أمراً جديداً في الانتخابات البرلمانية الأردنية؛ فباستثناء تلك التي أجريت عام 1989 وفاز بها التيار الإسلامي بمختلف أطيافه بما يقارب نصف مقاعد البرلمان البالغة آنذاك 80 مقعداً، فإن كل الدورات اللاحقة شهدت دعوات للمقاطعة؛ وذلك لأسباب متعددة، ولكن أهمها قانون الانتخاب الذي أقر الصوت الواحد، وجاء-وفقاً للكثير من المراقبين- لضمان تمثيل أقل أو بمعنى أكثر وضوحاً لتحجيم الإسلاميين؛ حيث كان القانون السابق يعطي كل مواطن حق التصويت بحسب عدد مقاعد الدائرة؛ وهو ما يتيح له التصويت لأكثر من مرشح؛ ما كان يصب في صالح التيار الإسلامي بشكل واضح. وبالفعل فقد أسهم القانون منذ تطبيقه لأول مرة في انتخابات عام 1993 بتقليل حظوظ الإسلاميين في المجلس.

ولكن هذا ليس الانعكاس الوحيد لهذا القانون الذي يفترض أن يسهم في تطوير الحياة النيابية لا أن يعيدها إلى الوراء؛ فقد كرس العشائرية؛ فازدادت حدة التنافس حتى بين أبناء القبائل أو المناطق الواحدة، ونتج عن هذا فرز غير طبيعي ينطوي على خلافات وأحياناً صراعات اجتماعية؛ وهكذا وجد الأردنيون أنفسهم ضحية خلافات اجتماعية تلقي بظلالها على حياتهم ضمن القبيلة أو المنطقة أو البلد أو حتى الأسرة والبيت؛ وهو ما يورث أحياناً الكراهية والأحقاد الاجتماعية؛ ولا عجب إذا سمعنا عن حالات وصل فيها الأمر إلى درجة استخدام السلاح.

والحقيقة أن المشكلة عميقة؛ وهي ترتبط بالمبادئ التي لا تزال تحكم عملية الترشيح والانتخاب بشكل عام؛ فبرغم التطور الكبير الذي شهده الأردن علمياً واجتماعياً؛ فهناك ما يمكن تسميته «الأمية السياسية»؛ ليس بالمفهوم التقليدي المتعلق بالمعرفة؛ بل على العكس؛ يمكن القول إن هناك ثقافة واسعة فيما يتعلق بالحقوق والواجبات الدستورية وحتى إدراك ما هو حق وما هو باطل؛ وإنما بالمفهوم الفعلي الذي يتعلق بأسس الاختيار؛ فما زال التفكير العشائري هو ما يحكم بصورة عامة سلوك المرشح وكذا الناخب؛ وهذا لا يعني أن العشائرية أمر سلبي؛ بل إن لها إيجابيات كثيرة؛ وهي في الحقيقة من أهم المحركات المجتمعية التي تحكم قيم الناس؛ وخاصة فيما يتعلق بالتماسك والتكافل وكذا الشهامة والكرم؛ كما أن مبدأ عدالة التمثيل المناطقي أمر مهم؛ ولكن المشكلة تكمن في تطبيق هذه المبادئ؛ حيث تحكمها قاعدة التوافق العشائري أو على مستوى البلد أو المنطقة، على شخص حتى لو كان-وفي كثير من الأحيان يكون كذلك- غير مؤهل من جوانب مختلفة؛ ليس بالطبع لعدم وجود من هو أكثر قدرة أو خبرة؛ فهؤلاء كُثر أيضاً؛ ولكن لاعتبارات اجتماعية وعلاقات شخصية لا تتعلق عادة بعنصر الكفاءة، وإنما الفزعة والوجاهة؛ فضلاً عن تجاهل عناصر أخرى مهمة لمن يريد أن يتصدر الشأن العام ويتولى مهام كبيرة كالتشريع وسنّ القوانين والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وخدمة الصالح العام فعلاً.

وهذا كله أدى إلى فقدان الثقة بالبرلمان؛ حيث يرى الناخب الأردني أن نوابه لم يفشلوا في أداء مهامهم سواء التشريعية أو الرقابية أو حتى الخدمية التي انتخبهم على أساس وعودهم بها فقط؛ ولكنهم أصبحوا يوفرون في كثير من الأحيان الغطاء لسياسات أو قرارات غير شعبية أيضاً. وتلوم قطاعات كبيرة من الأردنيين البرلمان على موقفه من الأزمة المفتعلة بين المعلمين والحكومة؛ حيث لم يكن له دور بنّاء في حل الأزمة؛ وبدلاً من أن يخفف حدة التوتر أو التوسط بحياد لحل الأزمة، اتخذ موقفاً اعتبرته فئات واسعة ضد المعلمين.
إذن فالانتخابات الأردنية تجري في ظروف استثنائية؛ وطبيعة التنافس فيها تقوم كما حدث في المرات السابقة، على أسس عشائرية أو مناطقية؛ فلم ينجح القانون الجديد في إحداث تغيير حقيقي في عقلية الناخب أو طبيعة تفكيره فيما يتعلق بالنائب الذي يمكن أن يمثل الوطن بشكل حقيقي، وليس مصالح شخصية أو فئوية أو قبلية أو إقليمية (مناطقية)؛ كما هو قائم الآن.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات