الأبعاد الاستراتيجية للصادرات البترولية الروسية إلى الأقطار الآسيوية

د. وليد خدوري: الأبعاد الاستراتيجية للصادرات البترولية الروسية إلى الأقطار الآسيوية

  • 26 مايو 2015

تأتي روسيا في المرتبة الأولى على الصعيد العالمي في إنتاج وتصدير الغاز، وتحتل المرتبة الثانية في إنتاج وتصدير النفط الخام. ولا شك أن هذه الثروة الهيدروكربونية الهائلة التي تمتلكها البلاد، تعد من الروافد الحيوية للموازنة السنوية للدولة؛ حيث إن موسكو تعتمد على صادراتها البترولية في تمويل نحو نصف هذه الموازنة، كما أن مبيعات النفط والغاز، تشكل نحو ثلث ناتج الدخل القومي، وحوالي ثلاثة أرباع مجمل صادرات البلاد؛ ومن ثم، فإن الثروة البترولية لروسيا، هي بمنزلة "سيف ذي حدين"؛ لأن اعتماد اقتصاد ضخم لدولة كبرى على مصدر رئيسي، يعرضها لهزات قوية عند تدهور أسعار النفط والغاز، أو عند انخفاض الطلب، كما حصل مؤخراً. وروسيا على دراية بموقعها هذا، وهي تحاول منذ فترة طويلة، تنويع أسواقها البترولية، من خلال ولوج الأسواق الآسيوية الصاعدة، وعدم الاكتفاء بأسواقها التقليدية؛ حيث يمكن استعمال الضغوط السياسية عليها، كما يحدث في الخلافات حول أوكرانيا حالياً.

وفي الواقع، فإن روسيا تتبع خلال العقدين الماضيين، سياسة بترولية جديدة لخدمة مصالحها الوطنية. تتمحور حول زيادة الصادرات البترولية (النفط والغاز)، للأسواق الآسيوية الصناعية والناشئة المطلة على المحيط الهادي. وخير مثال على تنفيذ هذه السياسة، هو تشييد منظومة خط الأنابيب "شرق سيبيريا – المحيط الهادي" الذي يستخدم لتصدير النفط الخام إلى بعض أهم الدول الآسيوية المستهلكة للطاقة، ومنها: الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وقد شيد الخط المذكور، وتديره الآن شركة ترانسنفت للأنابيب الروسية، ويبلغ طوله نحو 4857 كيلومتراً وقطره 48 بوصة، وتبلغ الطاقة الاستيعابية للخط نحو 600 ألف برميل يومياً، مع خطط لزيادة هذه الطاقة بحلول عام 2025، إلى نحو 1.6 مليون برميل يومياً، ويتم تزويد الخط بنفوط من غرب وشرق سيبيريا.  

والجدير بالذكر، أن فكرة تشييد خطوط أنابيب من شرق سيبيريا، إلى سواحل المحيط الأطلسي كانت قد طرحت من شركات روسية عدة في عام 2001. وفي عام 2003 وافقت الحكومة الروسية على تشييد منظومة خطوط، وأن تتسلم شركة ترانسنفت مسؤولية تشييد وإدارة المشروع، على أن تزود شركة يوكوس المشروع بالنفط النفط الخام. وعلى ضوء موافقة موسكو هذه، وبعد مفاوضات طويلة، اتفقت كل من روسيا والصين في صيف عام 2003، على تشييد الخط الذي سبقت الإشارة إليه، والذي بدأ تشييده عام 2006. وتم تشييد المرحلة الأولى منه في نهاية عام 2009، وتم استكمال المرحلة الثانية في نهاية عام 2012. وتم تصدير النفط خلال مرحلة التشييد الأولى، عن طريق الشحن بالقطارات. وفي منتصف عام 2009 وقعت كل من موسكو وبكين اتفاقية تزود بها روسيا الصين بـ 300 ألف برميل يومياً من النفط الخام لمدة عقدين من الزمن، مقابل قرض صيني بقيمة 25 مليار دولار للشركات الروسية لتكاليف تطوير الحقول وتشييد منظومة الأنابيب.

إن الإمدادات النفطية الروسية لشرق آسيا لم تشكل أي كمية تذكر حتى عام 2000، لكن ارتفع حجم الصادرات بشكل كبير منذ ذلك الحين، بحيث تقدر الصادرات إلى الأقطار الآسيوية حالياً بنحو مليون برميل يومياً، مع خطط لزيادة هذه الكمية، بالإضافة إلى تصدير نحو 10.8 ملايين طن سنوياً من الغاز الطبيعي، إما عبر الأنابيب أو بشكل غاز مسال. ووقعت شركة غازبروم الروسية اتفاقاً في شهر مايو 2014 مع شركة البترول الوطنية الصينية (سنوك) بقيمة 400 مليار دولار لتزويد بكين بـ 38 مليار قدم مكعب من الغاز الروسي سنوياً  لمدة 30 عاماً.

والسؤال الآن: ما أهمية هذه الإمدادات الضخمة؟ وما دور تشييد روسيا خطوط أنابيب النفط الطويلة المدى والمتجهة شرقاً؟

أولاً: إن روسيا بدأت تخطط لإيجاد أسواق جديدة لنفوطها منذ سنوات عدة، وكما هو معروف، فإن منظومة الخطوط الغازية لأوروبا قد بدأ العمل بها منذ عقد الثمانينيات. وتحتل روسيا المرتبة الأولى في تصدير الغاز إلى الدول الأوروبية.

ثانياً: إن فكرة تحقيق زيادة كبيرة للإمدادات البترولية للأسواق الآسيوية الصاعدة قد بدأت منذ عقود، قبل الخلافات الروسية – الأوكرانية، حول أسعار الغاز أو الخلافات السياسية الروسية – الغربية، حول أوكرانيا.

ثالثاً: تحاول روسيا، أكبر منتج للنفط عالمياً، وصاحبة أكبر احتياطي للغاز في العالم، الاستفادة من ثرواتها البترولية، بالإضافة الى موقعها الاستراتيجي. والمهم في الأمر، أن روسيا تكرر في آسيا تجربتها في تصدير الغاز إلى أوروبا: تشييد أنابيب طويلة المدى، والاعتماد الكبير على التمويل من الدول الصناعية المستوردة لبترولها، في تطوير حقولها الواقعة في المناطق النائية، وتشييد الأنابيب ومحطات الضخ عبر آلاف الكيلومترات.

رابعاً: تخطط روسيا لتنويع أسواقها البترولية، بحيث لا تعتمد على سوق واحدة فقط، وهي تنفذ هذا الأمر من خلال مشروعاتها التي شيدتها فعلاً؛ لتصدير الغاز الطبيعي أيضاً إلى الدول الآسيوية الصناعية والناشئة.

خامساً: تحاول روسيا، بقدر الإمكان، تصدير إمداداتها البترولية عبر خطوط الأنابيب الطويلة المدى؛ نظراً إلى المناطق النائية التي توجد فيها الحقول العملاقة، وابتعاد الأسواق عن مصادر الإمدادات. كما تحاول روسيا، وبقدر ما هو ممكن أيضاً، تشييد هذه الأنابيب بشكل مباشر، ما بين أراضيها والدول المستوردة. ومن الجدير بالذكر في هذا السياق، أنه عند تشييد منظومة الأنابيب الغازية إلى أوروبا، كانت أوكرانيا جزءاً من الاتحاد السوفياتي السابق؛ ولذا لم تواجه الشركات الروسية مشكلات مالية، لعبور خطوطها عبر أوكرانيا في حينه. ولم تنشب خلافات سياسية ما بين دول حلف الناتو مع موسكو، حول كون أوكرانيا منطقة نفوذ للغرب أو الاتحاد السوفياتي. فقد كان هذا الأمر محسوماً في حينه لصالح موسكو.

سادساً: تجسد زيادة الصادرات إلى آسيا، الاهتمام الذي توليه الشركات الروسية لتطوير حقول النفط والغاز في شرق سيبيريا؛ إذ لم تستغل هذه الحقول بشكل وافٍ لتزويد الإمدادات إلى أوروبا؛ وذلك لبعدها الجغرافي عن الأقطار الأوروبية. وبما أنه قد تم استنزاف كميات كبيرة من احتياطيات حقول غرب سيبيريا لتزويد أوروبا بالغاز، وبما أن حقول شرق سيبيريا هي الأقرب إلى الأسواق الآسيوية؛ ولذا تم الاهتمام بتطويرها واستغلالها حالياً.

سابعاً: هناك رغبة مشتركة لدى كل من روسيا والدول الآسيوية الصناعية، في مجال التعاون البترولي؛ إذ إن روسيا متخوفة من الضغوط الغربية المتزايدة عليها، والدول الآسيوية ترحب بتنويع مصادر الإمدادات، ولاسيما فيما يخص عدم الاعتماد الكبير على بترول الشرق الأوسط؛ خوفاً من الأوضاع السياسية المضطربة في دول المنطقة، وصعوبة تأمين الإمدادات بشكل متواصل.
ثامناً: يساعد التعاون البترولي الروسي – الصيني، في بروز محور استراتيجي جديد على الساحة الدولية، تطمح كل من موسكو وبكين في تكوينه، في مواجهة النفوذ الغربي عموماً، والنفوذ الأمريكي بالذات.

كمحصلة، يمكن القول بأن هناك توجهات جديدة لدى روسيا لتطوير سياساتها الخاصة بالطاقة، تدفع في اتجاه زيادة الصادرات البترولية (النفط والغاز)، للأسواق الآسيوية الصناعية والناشئة المطلة على المحيط الهادي، على النحو الذي يعزز علاقاتها مع الدول الآسيوية، وبما يسهم في فتح أسواق جديدة للصادرات الروسية من النفط والغاز، وذلك من أجل تنويع أسواقها النفطية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات