"اقتصاد الخوف" يجتاح العالم

  • 15 يناير 2003

مع تسارع وتيرة العولمة الاقتصادية وانفتاح دول العالم بعضها على بعض، وتشابك مصالحها الاقتصادية والأمنية، وما أعقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر من توترات عالمية، وإعلان حرب شاملة على الإرهاب تتجاوز الميدان العسكري والأمني لتشمل النشاطات الاقتصادية والمالية والمصرفية كافة، أصبح العالم يعيش حالة من المخاوف الأمنية شلت بصورة واضحة حركته الاقتصادية، وبدأ يظهر على صفحات القاموس الاقتصادي للمرة الأولى مصطلح "اقتصاد الخوف". إن الخوف من الحرب يضعف الاقتصادات العالمية ويؤثر سلبا في مختلف قطاعاتها الحيوية أكثر من الحرب نفسها، فالحرب العسكرية في الميدان يمكن حساب تكاليفها الاقتصادية بدقة حتى قبل أن تضع أوزارها، ولكن الخوف من الحرب يوجد هالة فضفاضة تتسع لكل السيناريوهات والافتراضات وحتى التصورات الشخصية التي تتحكم جميعها في السلوك الاستثماري والاستهلاكي للأفراد والمؤسسات والحكومات.

إن إرهاصات الحرب ضد العراق التي استمرت لأكثر من عام كانت السبب المباشر والرئيسي في ارتفاع أسعار الطاقة إلى مستويات غير مبررة اقتصاديا، والتوجه العام للمستثمرين نحو المضاربة بالذهب والمعادن الثمينة والعقارات على حساب الاستثمارات الاقتصادية المنتجة، والتقلبات الحادة التي ظلت تعانيها أسواق الأسهم العالمية والناشئة، وتلك التي تعانيها قطاعات المال والسفر والسياحة والنقل وغيرها، كلها متغيرات، إذا ما طال أمدها، تجعل الاقتصاد العالمي مهدداً بأكبر وأطول موجة ركود يمكن أن تصيبه منذ ثلاثينيات القرن الماضي.

لقد اتخذ "الخوف" من الحرب ومن الإرهاب ومن الخوف نفسه ومن المجهول بعدا استراتيجيا مهما في التحكم في حركة واتجاهات المتغيرات الاقتصادية في العالم اليوم، خاصة في قطاعات النفط، والأسهم، والاستثمارات، والسفر والسياحة والنقل. ويدرك كثير من المتخصصين والمراقبين لأسواق النفط الدور الحقيقي الذي يلعبه الخوف في دفع أسعار النفط إلى مستويات مرتفعة تناقض تماما كل حسابات العرض والطلب التي يجب أن تتحدد بموجبها هذه الأسعار، وحتى قرار "أوبك" الأخير بزيادة الإنتاج بمعدل مليون ونصف المليون برميل يوميا لم يفلح في تخفيض أسعار النفط، أو بالأحرى لم يفلح في زعزعة حالة "الخوف" التي يعيشها العالم. فالمحددات الأساسية لأسعار النفط لم تتغير، حيث إن حالة العرض والطلب في أسواق النفط العالمية متوازنة لحد كبير، إن لم تكن مختلة لمصلحة العرض.

وفيما تشير البيانات إلى أن حرب الخليج الثانية كلفت العالم نحو 61 مليار دولار، فلنا أن نحسب كم يدفع العالم ثمنا للخوف الذي يعيشه حاليا. فالزيادة الناتجة عن "الخوف" في أسعار النفط فقط تكلف العالم يوميا أكثر من مليار دولار، أما الخسائر التي تعرضت لها أسواق الأسهم العالمية خلال العام الماضي بسبب العديد من العوامل أهمها "الخوف" اختلفت التقديرات كثيرا حولها، وإن كانت جميعها محسوبة بالتريليون دولار وليس بالمليار دولار. ما يعني في مجمل الأحوال وحسب تقديرات الخبراء أن الأزمة التي يواجهها الاقتصاد العالمي هي أزمة "خوف" بالأساس.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات