اقتصاد الإمارات: مؤشرات إيجابية وريادة عالمية

  • 18 يونيو 2012

احتلت الدول المتقدمة صناعياً، على مدى خمسين عاماً، المراكز الأولى في المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي تنشرها تقارير المنظمات الدولية، في حين تذيلت الدول النامية الترتيب؛ وذلك بحكم التفاوت التنموي الكبير بين مجموعتي الدول. ويبدو أن هذه الصورة التي استمرت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى نهاية القرن المنصرم في طريقها إلى التغيير؛ وذلك نتيجة طبيعية للتطورات الهائلة التي شهدها الاقتصاد العالمي في العقود الماضية، والتقدم الذي حققته العديد من الدول النامية، ولاسيما الصاعدة منها مثل دول مجموعة البريكس، وتلك التي تحقق نمواً مستداماً وتتمتع بالمتانة الاقتصادية كدولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي التي أخذت تحتل مراكز متقدمة، بل صارت تتفوق على الدول الأوروبية والأمريكية والآسيوية في بعض المؤشرات التنموية التي ترصدها التقارير الدولية.

وإذا أخذنا دولة الإمارات مثالاً على التقدم الذي أنجزته اقتصادات الدول النامية في العقود الفائتة، فإن الصورة ستتضح فيما يتعلق بالتغيرات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وتبدل الأوزان النسبية لوحداته. فقد تبوأت دولة الإمارات المركز الأول عالمياً في كفاءة السياسة المالية، طبقاً للكتاب السنوي العالمي للتنافسية World Competitiveness Yearbook لعام 2012، والذي صدر بداية شهر يونيو الجاري عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية بسويسرا. ومن ثم، تفوقت الإمارات، وفقاً لهذا التقرير المهم، على بلدان عريقة مثل بريطانيا وفرنسا واليابان والصين. كما سجلت الدولة إنجازاً جديداً في مجال التنافسية؛ حيث جاءت في صدارة الترتيب العالمي في معيار الثقة بالإجراءات الحكومية بنسبة 78%، وفق مؤشر مؤسسة أيدلمان الأمريكية للثقة الذي صنف الدولة في المرتبة الثانية ضمن معيار مصداقية القيادات الحكومية. وكانت دولة الإمارات قد حازت المركز الـ27 في دليل تقرير التنافسية العالمية The Global Competitiveness Report لعام 2011-2012 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي من بين 142 دولة غطاها التقرير، والذي يضع الدولة في المرحلة الثالثة من التطور الاقتصادي، وهي مرحلة الاقتصادات القائمة على الابتكار (وهي مجموعة تضم أكثر 35 اقتصاداً متقدماً في العالم).

ويحمل هذا التطور كثيراً من المعاني التي تشير إلى مدى التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي حققته دولة الإمارات في العديد من المجالات، وفي فترة زمنية قصيرة نسبياً، علماً بأن هذه التقارير تتمتع بمصداقية كبيرة كونها صادرة عن منظمات دولية متخصصة ومحايدة، تمتلك خبرات أكاديمية وعلمية مميزة. ومن أهم المعاني والدلالات التي يمكن استنتاجها من احتلال الإمارات للمركز الأول عالمياً في كفاءة السياسة المالية، تأتي وباختصار القضايا المهمة التالية:
أولاً- فاعلية السياسة المالية بشكل عام والحكومية على وجه الخصوص؛ ما يعني التوازن بين متطلبات التنمية ورفع مستويات المعيشة للمواطنين والمقيمين.
ثانياً- كفاءة شبكة الضمان الاجتماعي ومعاشات التقاعد، وعدم فرض ضرائب تثقل كاهل الأفراد والشركات وقطاع الأعمال. وفي هذا الخصوص، احتلت الإمارات مركزاً متقدماً في تقرير ممارسة أنشطة الأعمال لعام 2012 الذي يصدره البنك الدولي؛ حيث جاء ترتيبها الـ33 من بين 183 دولة غطاها التقرير.
ثالثاً- كفاءة الميزانية الحكومية وتوجيه الموارد بصورة فعالة؛ حيث يتم التركيز على جوانب الإنفاق الإيجابية وتقليص الإنفاق غير المجدي، وذلك إلى جانب التغيرات الهيكلية التي طالت عملية إعداد الميزانية الحكومية في السنوات الثلاث الماضية، والمتمثلة في إصدار ميزانية صفرية للأعوام 2011-2013، مع التركيز على الحفاظ على الأموال العامة؛ ما قاد الدولة إلى احتلال المركز السابع عالمياً، باعتبارها أقل البلدان إسرافاًً في الإنفاق.
رابعاً- كفاءة إدارة الفوائض المالية وتسخيرها لخدمة التنمية؛ ما لاقى تقديراً دولياً للإدارة المالية في الدولة، وأدى إلى زيادة عائدات الاستثمارات المحلية والخارجية، مع الالتزام بالمعايير الدولية في كفاءة الإنفاق بشكل عام.

وفي الحقيقة، فإن لهذه القفزة الكبيرة في مركز الإمارات والذي من خلاله تصدرت دول العالم كبيرها وصغيرها في كفاءة السياسة المالية أسس قوية تم بنائها لسنوات طويلة، بذلت خلالها جهود مضنية قادها المغفور له، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ انطلاقة الاتحاد مع إخوانه المؤسسين، واستمرت حتى الوقت الحاضر. وتتمثل هذه الأسس في البنية التحتية المتطورة للغاية، والتي تضاهي مثيلاتها في البلدان المتقدمة؛ ما أتاح الإسراع في معدلات النمو، وجذب رؤوس الأموال والاستثمارات لتنويع مصادر الدخل الوطني. وقد أتاح ذلك نمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات كبيرة في العقود الماضية، ويتوقع أن يحقق هذا الناتج في العام الجاري 2012 نسبة نمو تبلغ 5% تقريباً ليصل إلى 1315 مليار درهم (358 مليار دولار) ليشكل ثاني أكبر اقتصاد عربي بعد الاقتصاد السعودي، في الوقت الذي تحتل فيه الإمارات مرتبة عالمية متقدمة في نصيب الفرد من الناتج المحلي، والتي تبلغ 44 ألف دولار لتأتي في المرتبة الثانية عربياً أيضاً بعد دولة قطر. أما معدلات التضخم، فقد استقرت عند مستويات مقبولة لتتمحور حول 2.5% في العام الحالي. علاوة على ذلك، حققت الإمارات قفزات متتالية في مجالات التعليم والصحة وخدمات الإسكان والتجارة الخارجية والمواصلات والاتصالات، وتطوير منظومة التشريعات والقوانين التي أتاحت دعم النمو وتعزيز ثقة المستثمرين، وتنمية القطاعات غير النفطية، وتوفير بيئة مناسبة لعمل القطاع الخاص وتنافسية أسواق الدولة في المجالين الاقليمي والعالمي.

وثمة مؤشرات اقتصادية تُظهر تفوق الدولة في العديد من المجالات، وتوضح بعض جوانب تصدرها لمؤشرات التنمية من بين بلدان العالم، فبالإضافة إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي وحصة الفرد المرتفعة من هذا الناتج، فإنه يمكن الإشارة إلى توقّع نمو قيمة الصادرات السلعية في العام الجاري بنسبة كبيرة تبلغ 30% لتتجاوز قيمة هذه الصادرات، ولأول مرة، تيرليون درهم لتصل إلى 1047 مليار درهم (285 مليار دولار) مقابل 808 مليار درهم (220 مليار دولار) في العام الماضي 2011. وفي الوقت نفسه يتوقع أن يرتفع فيه الاحتياطي من النقد الأجنبي بنسبة 41% في هذا العام ليصل إلى 203 مليار درهم (55.3 مليار دولار) مقابل 143.6 مليار درهم (39.1 مليار دولار) في عام 2011. وكدليل آخر على البيئة المناسبة والسلسة لقطاع الأعمال والقدرة العالية على المنافسة، يتوقع أن يرتفع مؤشر البيروقراطية إلى 5.69 نقطة في العام الجاري، مقابل 4.21 نقطة في العام الماضي.

لقد ساهمت هذه التطورات وهذا النمو المتسارع في تحويل دولة الإمارات إلى دولة حديثة ومتطورة وقادرة على المنافسة في شتى المجالات، بما فيها المنافسة في استقطاب الأيدي العاملة المؤهلة؛ حيث تعتبر دولة الإمارات في الوقت الحاضر الوجهة الأولى للمواهب في العالم، وذلك بفضل قدراتها التنافسية ومستوى المعيشة المرتفع الذي توفره للمواطنين والمقيمين. وتتناسب مجمل هذه التطورت أيضاً مع التغيرات الجارية في العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية الدولية في مرحلة العولمة والمنافسة وانفتاح الأسواق؛ ما يؤهل دولة الإمارات لتحتل مركزاً متقدماً في العلاقات الدولية الجديدة، باعتبارها دولة متطورة تمتلك القدرة على المنافسة، مما سيؤدي إلى تحقيق مزيد من الارتفاع في معدلات النمو وتحسين مستويات المعيشة في السنوات القادمة.

Share