اقتراح الأمم المتحدة لعملة عالمية جديدة: المبررات والجدوى

اقتراح الأمم المتحدة لعملة عالمية جديدة: المبررات والجدوى

  • 13 سبتمبر 2009

في تقريرٍ فاجأ كثيراً من زعماء العالم والاقتصاديين على حد سواء، صدر في 7 سبتمبر/أيلول 2009، طالب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) دول العالم بضرورة إنشاء مصرف عالمي لإصدار عملة دولية جديدة تحل محل الدولار الأمريكي المتعثر، ومراقبة أسعار الصرف في الدول أعضاء المؤتمر (188 دولة)، من خلال استحداث نظام نقدي جديد يقوم على مبادئ وقواعد متفق عليها اتفاقا متعدد الأطراف، من أجل تحقيق استقرار اقتصادي كلي في الاقتصاد، ومن أجل إتاحة فرص متكافئة لجميع الجهات الفاعلة في التجارة الدولية. ويشير تقرير التجارة والتنمية 2009 إلى مواطن الضعف في نظام الاحتياطيات الدولي الذي يستخدم عملة وطنية (الدولار الأمريكي) كرصيد احتياطي، مبيناً أن هذا النوع من النظم يعتمد دوماً على ما يتخذه المصرف الذي يصدر هذه العملة من قرارات في مجال السياسة النقدية، وهي قرارات تتخذ وفقاً لاحتياجات السياسة الوطنية ولأولوياتها، ولا تراعي احتياجات نظام المدفوعات الدولي والاقتصاد العالمي.

وقد جاءت هذه الأنباء في أعقاب إعلان صندوق النقد الدولي بأن الصين قد وقعت اتفاقاً معه لشراء 32 بليون (أو ما قيمته 50 بليون دولار) من وحدات حقوق السحب الخاصة SDR ( وهي سندات لأصول احتياطية دولية ثابتة يصدرها صندوق النقد الدولي منذ 1969 لتعزيز الاحتياطيات الرسمية للبلدان الأعضاء، وهي سلة من بعض العملات الوطنية)؛ ما يثير المخاوف بأن بكين قد تتوقف عن شراء سندات الخزانة الأمريكية، ولاسيما في ضوء تأكيد الصندوق أن الاتفاق يوفر للصين أداة استثمار آمنة. وفي الوقت نفسه، انضمت فرنسا إلى كل من الصين والهند والبرازيل وروسيا في وقت سابق من هذا الشهر (سبتمبر/أيلول)، عندما أعربت عن قلقها من استمرار الدولار عملة الاحتياط الوحيدة في العالم.

إن هذا الإنذار المتزايد حول مصير عملة الاحتياط في العالم أمر مفهوم بالنظر إلى أن قيمة الدولار قد انخفضت بنسبة 13٪ منذ آذار/مارس 2009. ووفقاً لبعض التقديرات المستقلة، فإن قيمة الدولار مقابل الأصول الثابتة، مثل النحاس، قد انخفضت بنسبة 50٪ في الفترة نفسها. بيد أن هذا الانخفاض لم يثن الإدارة الأمريكية عن زيادة عجز ميزانيتها الذي قفز إلى 1.4 تريليون دولار في أغسطس/آب 2009، ويتوقع أن يرتفع إلى 9 تريليون دولار خلال عقد من الزمن، ما يشكل أكثر من مجموع كل حالات العجز السابقة منذ تأسيس الولايات المتحدة. وفي ضوء وجود 11.4 تريليون دولار من الدين الوطني المقدر، و55 تريليون دولار من الالتزامات غير الممولة لبرامج مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والطبية، و14.1 تريليون دولار التزامات بخصوص خطط الإنقاذ الاقتصادي من جانب مجلس (بنك) الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، منها 3.7 تريليون دولار قد تم إنفاقها بالفعل، فإن كثيراً من البلدان مثل الصين تخشى بأن الاقتصاد الأميركي ذا الـ 14 تريليون دولار إما سيعجز عن سداد ديونه والتزاماته، أو يطبع مزيداً من النقود للوفاء بها، وهو الأكثر احتمالاً؛ ما يعني تقويض وضع الدولار باعتباره عملة الاحتياط في العالم، وخفض قيمة الاحتياطيات الدولارية التي تحتفظ بها مختلف الدول.

وفي الواقع، فإن المسؤولين الصينيين يصرحون علناً عن مخاوفهم بشأن السياسات المالية التوسعية لمجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي. في هذا الخصوص، أكد تشنغ سي وي، نائب رئيس اللجنة الصينية الدائمة سابقاً، ورئيس اللجنة الصينية للطاقة الخضراء حالياً، في وقت سابق من هذا الشهر (سبتمبر/أيلول)، أنه إذا استمرت (الولايات المتحدة) في طبع النقود لشراء السندات، فسيؤدي ذلك إلى التضخم. وبعد سنة أو سنتين، ستهبط قيمة الدولار بشدة. وأشار المسؤول الصيني إلى أن معظم احتياطياتنا من النقد الأجنبي تتمثل في السندات الأميركية، وهذا أمر من الصعب جدا تغييره، ولكننا سوف ننوع الاحتياطيات الإضافية باليورو والين وعملات أخرى. جدير بالذكر أن احتياطيات الصين من الدولار تزيد عن 2 تريليون دولار، وهي الأكبر في العالم. وأضاف سي وي: إن الذهب بالتأكيد هو البديل. ولكن عندما نشتري، سوف ترتفع الأسعار. وبالتالي، فعلينا أن نفعل ذلك بحذر حتى لا يتم تحفيز الأسواق وتنشيطها. وتشير التقديرات إلى أنّ الصين أصبحت القوة المحركة في سوق الذهب العالمي.
ومن المهم أن نلاحظ هنا أنه بالإضافة إلى شراء وحدات حقوق السحب الخاصة، كانت الصين تزيد بشكل مطرد احتياطياتها من الذهب، وتخزن السلع والمواد المختلفة، مثل النحاس والفحم. ففي 24 نيسان/ابريل 2009، أعلنت الصين أنها قد زادت احتياطياتها من الذهب إلى 1,054  طن في نهاية عام 2008؛ وبالتالي فقد أصبحت خامس أكبر دولة لديها احتياطي ذهب في العالم. ووفقا لوكالة أنباء شينخوا الصينية، فإن الرقم الجديد يمثل زيادة قدرها 454 طن عن احتياطيات الصين التي تم الإعلان عنها عام 2003 (600 طن)، وهي آخر مرة أعلنت فيها الحكومة الصينية أنها أجرت تعديلاً على احتياطياتها من الذهب. وفي الحقيقة، فإن شراء الصين المفرط للذهب يعد واحداً من أسباب الارتفاع الأخير في سعر الذهب، حيث قارب سعر الأونصة الواحدة 1000 دولار في أيلول/سبتمبر. ويتوقع معظم المستثمرين أن يرتفع مرة أخرى بحلول نهاية العام. ومن المهم أن نلاحظ هنا أنه، وفقا لتقرير الأونكتاد، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية لم تكن كثيراً نتيجة لهذا السلوك غير المسؤول للمصارف أو بسبب خرق التعليمات، ولكن بسبب الفشل الكبير للنظام النقدي العالمي نفسه. فقد أكد التقرير أن هيمنة الدولار باعتباره الوسيلة الرئيسة للتعامل الدولي لعب دوراً مهماً في تراكم اختلال التوازن العالمي في الفترة التي سبقت الأزمة المالية.

إن المركز القيادي للدولار شكل مصدراً للمشكلات سواء بالنسبة للبلدان النامية أو للولايات المتحدة نفسها؛ فالأزمة المالية الآسيوية عام 1997، والتي كان سببها فقاعات الأصول والعقارات، نشأت بسبب سهولة الاقتراض، وتوصيات صندوق النقد الدولي الخاطئة التي أجبرت بلدان الشرق الأقصى على البدء بشراء الدولار الأمريكي (في شكل سندات الخزانة الأمريكية) كإجراء احترازي ضد نمو فقاعات الأصول في اقتصاديات بلدانهم. بعبارة أخرى، فإن الدول النامية في آسيا بدأت إقراض الأموال للولايات المتحدة وغيرها من الدول المتقدمة بأسعار فائدة منخفضة جداً، الأمر الذي زاد الاستهلاك في الولايات المتحدة، وهي الظاهرة التي ركز عليها تقرير الأونكتاد سالف الذكر. فقد ارتفع عدد الدول النامية المصدرة لرأس المال إلى 42 دولة في الفترة ما بين 2002 و2006. ووفقاً لفريق الأمم المتحدة برئاسة الخبير الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، جوزيف ستيغليتز، فإن الدول النامية قد أقرضت 3.7 تريليون دولار للبلدان المتقدمة في عام 2007 وحده.

هذا التدفق من الأموال أغرق البنوك الغربية والأمريكية، فأصبحت لديها الآن زيادة كبيرة في رأس المال الجاهز للإقراض؛ الأمر الذي أدى بدوره إلى طفرة في سوق العقارات حتى انهارت في أواخر العام الماضي. وقد أضرت هذه العملية بالمؤسسات المالية العالمية ضرراً فادحاً. ومن ثم، قرر جوزيف ستيغليتز، في مقالته الأخيرة في جلف نيوز، نشرت في 6 سبتمبر 2009، أن النظام الحالي (الدولار كنظام احتياطي) ليس فقط سيئاً بالنسبة للعالم، وإنما هو سيئ بالنسبة إلى الولايات المتحدة أيضاً. والحاصل أنه بما أن دولاً أخرى لديها احتياطي كبير من الدولار، فإن الولايات المتحدة تقوم بتصدير أذونات خزانة بدلاً من السيارات، بيد أن تصدير أذونات الخزانة لا يخلق فرصا للعمل.

واقع الأمر، فإن فكرة العملة الدولية ليست جديدة، فعندما أنشىء نظام بريتون وودز في عام 1944، اقترح الاقتصادي الشهير جون ماينارد كينز أن يقوم العالم بإنشاء وحدة عملة دولية أسماها (بانكور، bancor). وقد تم إحياء هذا المقترح خلال 78-1980، غير أن المناظرة بشأنه توقفت بعد أن شدد بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي سياسته النقدية، ورفع قيمة الدولار، وهو السيناريو الذي من غير المرجح أن يتكرر نظراً لحدة الانكماش الاقتصادي الحالي في الولايات المتحدة الامريكية.
 
وبالتالي، فإن هناك إجماعاً متزايداً بأن عالماً "معولماً" يحتاج إلى عملة دولية، وأن مصيره لا يمكن أن يرتبط فقط بمصير عملة وطنية مهما كانت قوتها. ووفقاً لستيغليتز، فـإن المناقشات بشأن وضع نظام جديد جارية الآن. فقد حاجت لجنة الأمم المتحدة للخبراء حول إصلاح النظام النقدي والمالي العالمي أن إيجاد نظام جديد لعملة الاحتياط الدولية قد يكون أهم إصلاح يضمن صحة الاقتصاد العالمي على المدى الطويل. وقد اقترحت أيضاً كيفية تصميم عملية انتقال منظم من النظام القائم على الدولار.

وعلى الرغم من أن المرء يجب أن ينتظر ويراقب ملامح النظام الجديد المقترح لعملة الاحتياط الدولية، فقد اقترح أحدهم إنشاء حساب للاستبدال في صندوق النقد الدولي. في هذا الخصوص، كتب فريد بريكستون، مدير معهد بيترسون للاقتصاد العالمي، في 10 ديسمبر 2007، في الفاينانشل تايمز، مقالا يقول فيه إن فكرة الحساب البديل بسيطة. فبدلاً من تحويل الدولارات إلى عملات أخرى في السوق، والتي من شأنها إضعاف الدولار وتقوية العملات الأخرى، فبإمكان حملة الدولار الرسميين (كالصين مثلاً) إيداع احتياطياتها التي لا تحتاج إليها من الدولار في حساب خاص لدى صندوق النقد الدولي، ويأخذون ما يعادلها من وحدات حقوق السحب الخاصة، والتي يمكن استخدامها لتمويل العجز في ميزان المدفوعات في المستقبل وغيرها من الاحتياجات المشروعة، أو استردادها وتحويلها إلى عملاتها الوطنية من الحساب نفسه، أو نقلها لمشاركين آخرين. وبالتالي ستكون الأصول سائلة أو نقدية تماما.

ومع ذلك ، فحتى أصحاب هذا المخطط يعترفون بأن الحساب البديل لن يحل جميع المشكلات الدولية النقدية، أو يكون كافياً للمحافظة على استقرار النظام المالي العالمي. وبالتالي، فبالرغم من أن الجهود قد بدأت على المستوى الدولي لتقديم نظام جديد أكثر استقراراً لعملة الاحتياطي العالمي، يبدو أن مصير الاقتصاد العالمي سيظل مقيداً بتقلبات الدولار الامريكي لبعض الوقت مستقبلاً. وعلى الأرجح ، فإن الحل الأفضل هو العودة إلى النظام النقدي السابق المدعوم بالذهب، والذي يذكره التاريخ بأنه قد خدم جيداً إلا عندما فقدت الإمبراطوريات ثروتها في الحروب. ومع ذلك، فإن الترتيبات البديلة لم تنجح لفترة طويلة في هذا الصدد.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات