افتتاحية «أخبار الساعة»: رغم كورونا.. محاربة الإرهاب ما زالت أولوية

  • 16 مايو 2020

في الوقت الذي يعاني فيه العالم بأسره آثار وتبعات جائحة فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19»، التي تلقي بظلالها الثقيلة على جوانب الحياة الصحية والاقتصادية والاجتماعية كافة، وتكلّف الدول والحكومات والشعوب جهوداً كبيرة وتحملها أعباء غير مسبوقة، لا يتورع أصحاب الأجندات المتخمة بالشرّ عن ارتكاب جرائمهم بحق الإنسان ومواصلة مساعيهم لتقويض أركان الحياة، وإزهاق أعداد أكبر من الأرواح لإشباع شهوتهم للدم؛ ضاربين بعرض الحائط القيم والأخلاق والتعاليم الدينية كافة التي تحفظ حرمة النفس البشرية، وتنهى عن البغي والظلم والعدوان.

وبدلاً من الانخراط في خدمة مجتمعاتها والانضمام إلى المساعي الهادفة إلى التخفيف من وطأة الظروف التي تعيشها معظم المجتمعات البشرية في ظل الإجراءات الاحترازية والوقائية التي اتخذتها معظم، إن لم يكن، دول العالم كافة لمواجهة خطر الفيروس، والتي غيرت بشكل كبير من نمط الحياة الذي اعتاده الناس وعلّقت الكثير من الأنشطة التي يحبون ممارستها، تستغل الجماعات الإرهابية والحركات التخريبية التي لم تعتَد سوى العمل في الظلام، ولم تألف إلا سفك الدماء، ولا تهوى غير تدمير المنجزات وهدم مظاهر الحضارة والتطور، هذه الظروف الاستثنائية التي ينشغل فيها العالم بجهود مواجهة الفيروس وتسخّر فيها الدول طاقاتها وإمكاناتها لمنع تفشيه، لتحقيق هدفها الأساسي وهو إخراج الإنسان من نور العلم والتحضر والانفتاح والتعاون لما فيه صالح الجميع وسعادتهم، وإعادته إلى عصور الظلام وغياهب الجهل والتخلف وفوضى الانغلاق والتناحر.

لقد حقق العالم على مدى السنوات الخمس الأخيرة نجاحاً لافتاً للنظر في محاربة حركات التطرف والإرهاب، واستطاع بفضل وحدة كلمته وتكاتفه ورفضه بقواه الحية ومنظماته ودوله وشعوبه للأعمال الإرهابية بشتى أنواعها، وتحت أي مسميات كانت، وإجماعه على أنه لا دين للإرهاب ولا مبدأ ولا هوية له سوى بث الخوف والرعب، أن يتخلص من الكثير من أصحاب النفوس المريضة والفطرة المشوهة غير السوية، وأن يلحق بحركاتهم وتنظيماتهم وأنشطتهم وتجهيزاتهم خسائر كبيرة أدت إلى تفكيك أو تشظي الكثير منها، وأجبرت أخرى على الاستسلام للواقع الرافض تماماً لها، كما أفلحت جهود التوعية والنصح والإرشاد التي بذلتها المؤسسات الدينية والثقافية والحضارية المرموقة وذات الوزن والتأثير في كشف الحقيقة للكثير ممن غررت بهم تلك الحركات، وإزالة الغمّة عن أعينهم؛ وبالتالي عودتهم إلى رشدهم، وهجر سبيل الضلال والعودة إلى جادة الصواب.

ولأن الصراع بين الخير والشرّ أزليّ أبديّ ومستمر منذ بدء الخليقة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلا بدّ أن تظل هناك خلايا فرّختها تنظيمات الإرهاب وتبناها عتاتُهم الذين لا أمل في رجوعهم عن غيهم، فاختبؤوا جميعاً تحت الأرض وراحوا يحاولون إعادة تنظيم صفوفهم وتجميع شتاتهم ولملمة فلولهم، ويبدو أنهم تمكنوا في لحظة غفلة من الزمن ونتيجة انشغال العالم وتركيز جهوده على محاربة العدو الخفي غير المرئي الذي يهاجم بضراوة في كل أرجاء المعمورة، وفي ظل حالة الاضطراب وعدم اليقين تجاه الفيروس، من أن يخرجوا من جحورهم ليوجهوا خناجر غدرهم إلى صدور الأبرياء في غير مكان من العالم غير مراعين حرمة طفل، ولا امرأة، ولا شيبة شيخ.

أمام هذا الواقع وفي مواجهة المساعي الخبيثة لحركات الإرهاب ودعاة القتل والدمار بات من الضروري للعالم أن يتنبه مجدداً إلى خطورة هؤلاء، وأن يتوحّد في مواجهتهم كما توحد في مواجهة كورونا، وأن يعيد تسليط المجهر عليهم حتى لا يترك لهم فرصة لالتقاط الأنفاس، فخطرهم شديد على الأمن والسلم الإنساني، وضررهم بالغ يطال الإنسان ولا يستثني حتى الحيوان والشجر والحجر، لأنهم أعداء للحياة وطلّاب فناء وإفناء، وأي تقاعس أو إهمال في محاربتهم وملاحقتهم وتشديد الخناق عليهم سيكون بالتأكيد بالغ الضرر وستدفع الإنسانية كلّها ثمنه من أرواح أبنائها الأبرياء، ومن أمنها وطمأنينتها، فهم وكورونا وجهان لخطر واحد ينذر بالموت والهلاك.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات