افتتاحية أخبار الساعة: حتى لا يتحوّل رمضان من موسم عبادة إلى شهر وباء

  • 25 أبريل 2020

رمضان مختلف بطقوسه وتقاليده، يعيشه المسلمون هذا العام في ظل استمرار انتشار فيروس كورونا المستجد، وأجواء مغايرة تماماً لما ألفوه في هذا الشهر الفضيل على مدار سنين طويلة من عادات وعبادات؛ فلا صلاة جماعة في المساجد، سواء للفروض أو التراويح، حتى الأسواق المزدحمة، ومعالم البهجة غير موجودة، ولا الولائم ولا موائد الإفطار الجماعية ولا التجمعات واللقاءات التي كانت تتميّز بها ليالي الشهر الفضيل، لأن إجراءات الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي التي تفرضها معظم دول العالم، بما في ذلك العالم الإسلامي لمنع تفشي الفيروس باقية كما هي مع بعض حالات التخفيف المحدودة هنا أو هناك.
ولعل في الأمر خيراً، كما يراه الكثير، إن لم يكن معظم العلماء والمفكرين والمجتهدين، الذين يؤكدون أن في الأمر منحة لا محنة، مستندين في ذلك إلى أن الأصل في صلاة التراويح، على سبيل المثال، هو أن تؤدى بشكل فردي في البيوت وليس جماعة في المساجد، وهو ما كان يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن النوافل في البيوت أفضل وأعظم أجراً والنية تنوب عن العمل في الحالات القسرية وفقاً للرأي الفقهي الغالب، فضلاً عن أن الظرف الطارئ هو فرصة لتعزيز الأجواء الروحانية في البيوت من خلال اجتماع الأسرة كبارها وصغارها في أداء الشعائر والعبادات، ومناسبة لانخراطهم جميعاً، وخصوصاً الأطفال، في الطقوس الرمضانية التي كانت عادة حكراً على الكبار.
صحيح أن هناك بعض الجدل حول بعض القرارات ذات العلاقة بالإجراءات الوقائية والاحترازية، خصوصاً مسألة إغلاق المساجد ومنع إقامة صلاة الجماعة التي تدعو بعض التيارات والشخصيات الدينية إلى إعادة النظر فيها، بحجة فتح الكثير من المرافق والأنشطة العامة الأخرى، إلا أن الرأي الذي يحظى بإجماع يكاد يكون كاملاً يميل إلى الاستمرار في تطبيق سياسة العزل والتباعد حتى لا يحدث ما لا تحمد عقباه وريثما تنجلي غمامة المرض، لأن أي خطأ غير محسوب يمكن أن يهدر كل الجهود التي بذلت في مواجهة الفيروس على امتداد أكثر من شهرين وحتى لا يتحوّل رمضان من موسم عبادة إلى شهر وباء وكي لا يحسب على المسلمين أنهم كانوا يوماً سبباً في إحباط الجهد العالمي للتصدي للمرض وحصره والقضاء عليه.
فالمعبود هو رب رمضان وليس رمضان نفسه، والهدف السامي خلف إجراءات الحجر ليس منع العبادة ولا تحديدها ولا تقييدها، وإنما بذل كل جهد ممكن للمحافظة على أرواح من شهدوه ليعودوا ويشهدوه أعواماً أخرى ما قدّر الله لذلك أن يكون، وكذلك الحرص على أن يصوم الصائمون دون منغصات ويكملوا العدة وهم في أتمّ الصحة والعافية، فرمضان حتماً سيعود لكن عودتنا نحن لنشهد رمضان آخر هي التي على المحك.
درء المفاسد أولى من جلب المنافع وحفظ النفس يتقدم على أداء المناسك، ويجوز ويباح في الضرورات ما لا يباح في غيرها، هكذا تقول القواعد الشرعية؛ فالدين يسر وليس عسراً، وربّ الدين نهى عن أن يلقي الإنسان بنفسه إلى التهلكة تحت أي ذريعة كانت، ولذا جاءت رخص الإفطار في رمضان لغير القادرين على الصيام «فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر»، كما أن الإسلام دين العلم والعقل والوسطية والاعتدال والأخذ بالأسباب وهو ما يعني أن على كل من يعتنقه أن يتبع العادات التي ينادي بها من نظافة والتزام بالإجراءات الوقائية التي تتخذها الحكومات في مجابهة الوباء، وأن يتتبع آراء الفقهاء والعلماء والأطباء والمختصين ولا يتزمت ويتعصب لآرائه وأهوائه وميوله الشخصية.
رمضان فرصة للمسلمين لأن يكونوا مثالاً تقتدي به الأمم، سواء في العبادات والشعائر الدينية، أو في اتباع المنهج العلمي الرصين عند التعامل مع مستجدات الحياة والإسهام بالبحوث والدراسات والجهود المبذولة لتخليص البشرية من الوباء، أو في إظهار الانتماء والمواطنة الصالحة والحرص على المصلحة العليا للمجتمع عبر التعاون مع الحكومات والأجهزة المختصة والتزام توجيهاتها وإرشاداتها، وكذلك في التكافل والتعاون ومساعدة المحتاجين والفئات المعوزة، ففي ذلك كلّه عبادة وقربى لمن فرض علينا رمضان.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات