افتتاحية «أخبار الساعة»: تحرك دولي طال انتظاره

  • 28 أبريل 2020

ربما لم يسبق للبشرية، على الأقل منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أن واجهت تحدياً مشتركاً بهذا المستوى، الذي فرضه تفشي فيروس كورونا المستجد كوفيد-19؛ فهو لا يهدد السلم والأمن الدوليين فقط، وإنما أيضاً حياة البشر ووجودهم؛ حيث وضع الدول والمجتمع الإنساني برمته أمام تحديات مصيرية بالفعل. ومع كل ذلك لم تكن الاستجابة الدولية بمستوى الحدث على الإطلاق؛ فقد كشف عورات النظام الدولي القائم وحقيقة التعاون الدولي والتضامن في الأزمات والكوارث، الذي طالما كان يجري عنه الحديث في كل لقاء أو مؤتمر ثنائي أو دولي. وبرغم المطالبات والدعوات المستمرة من قبل قادة ومسؤولين كبار في هذا العالم لتعزيز التعاون والتضامن الدولي لمكافحة الفيروس، فقد كان واضحاً انشغال الدول بنفسها، وقليلاً ما كان هناك جهد دولي حقيقي يرقى لمستوى هذه الجائحة التي تهدد بأكل الأخضر واليابس في كل الدول دون استثناء؛ بما في ذلك تلك التي لم يتفشَّ فيها الفيروس كثيراً؛ حيث لم تسلم أي دولة من التداعيات الكبيرة والكارثية بسبب الإجراءات الاحترازية الشديدة التي اضطرت إلى اتخاذها لكبح جماح الفيروس والحد من تداعياته. ومن هنا تأتي أهمية الحديث عن اجتماع مجلس الأمن الدولي المزمع الأسبوع المقبل بهدف تبنّي أول مشروع قرار بشأن أزمة كوفيد-19 بعد أكثر من شهر من السجالات والنقاشات والانقسامات بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، وذلك وسط دعوات متكررة وملحة إلى تكثيف التعاون الدولي لمواجهة كارثة أدت حتى الآن إلى ركود عالمي غير مسبوق منذ الكساد العظيم الذي ضرب العالم أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن الماضي. والحقيقة أن المجلس وبالطبع الأمم المتحدة برمتها تأخرت كثيراً جداً في التحرك لمواجهة أسوأ أزمة عالمية على الإطلاق منذ الحرب العالمية الثانية؛ فلم يجتمع مجلس الأمن حتى الآن سوى مرة واحدة للبحث في هذه الأزمة، في جلسة عبر الفيديو عُقدت في التاسع من إبريل الجاري بمبادرة من ألمانيا وإستونيا.

ويدعو مشروع القرار الحالي الذي اقترحته تونس وفرنسا بشكل مشترك، إلى «تعزيز التنسيق بين الدول كافّة» و«وقف الأعمال العدائيّة» وإلى هدنة «إنسانيّة» في البلدان التي تشهد نزاعات. ويهدف مشروع القرار أيضاً إلى دعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش ووكالات الأمم المتحدة التي تكافح لاحتواء العواقب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكارثية التي تسبب بها الفيروس. وبرغم أن إعلان موعد للجلسة أمر إيجابي في ظل هذه الظروف الشائكة والخلافات التي ظهرت بين الغرب والصين فيما يتعلق بنشأة الفيروس ومسألة الشفافية، فيتوقع أيضاً أن يخضع النص المشترك لتعديلات عدة قبل طرحه للتصويت في موعد لم يُحسم هو الآخر حتى الآن. ومع كل ذلك، فإن الإجماع المرتقب ينطوي على أهمية كبيرة، حيث ينتظر العالم، وخاصة الدول الأكثر تضرراً، تعاوناً دولياً حقيقياً؛ وفي هذا السياق فإن على مجلس الأمن أن يتخذ قرارات مهمة تتمحور أولاً حول وقف إطلاق النار في مختلف مناطق النزاعات القائمة في العالم؛ حيث تواجه الدول التي تعاني حروباً وصراعات مسلحة خطراً حقيقياً يهدد وجودها إذا ما تفشى المرض فيها، وذلك بسبب تدهور وهشاشة القطاع الصحي؛ وضعف الإمكانات الطبية من حيث الأدوات الضرورية للتصدي للفيروس ومكافحته؛ وفي الوقت نفسه عدم وجود حكومات مستقرة قادرة على اتخاذ وتطبيق الإجراءات الاحترازية اللازمة. ثانياً، ضرورة اتخاذ خطوات عملية لتعزيز التنسيق والتعاون الدولي، بحيث يُظهر حقيقة التضامن الدولي، واستعداد الجميع، وخاصة الدول المتقدمة وصاحبة الإمكانات الكبيرة لتقديم مساعدات مجدية للدول الفقيرة أو التي تعاني أوضاعاً اقتصادية متردية؛ وذلك من خلال، على سبيل المثال، تنظيم مؤتمر دولي عاجل لجمع الأموال اللازمة لدعم الدول الأكثر تضرراً؛ بالتنسيق مع المؤسسات الدولية المعنية مثل البنك الدولي. ومن المهم أيضاً العمل على إلزام الدول بالتعاون في مجال تبادل المعلومات والخبرات، حيث يعد هذا أمراً ضرورياً في جهود مكافحة الفيروس ووقف انتشاره؛ والأكثر إلحاحاً بالطبع هو دعم ليس فقط للجهود الرامية للتوصل إلى لقاح ضد الفيروس، وإنما توحيد هذه الجهود للتسريع في عملية إنتاج اللقاح وضمان توزيعه على كل دول العالم، وخاصة الأكثر حاجة؛ لأن هذا كما يبدو أمراً حاسماً في التخلص من الفيروس.

Share