افتتاحية «أخبار الساعة»: الحل السياسي طريق النجاة الوحيد في ليبيا

  • 21 مايو 2020

برغم كل الدعوات إلى وقف القتال، على الأقل في شهر رمضان المبارك، فلا تزال الحرب مستمرة في ليبيا بلا هوادة؛ حيث تجاهلت الأطراف المنخرطة في الصراع الدائر هناك منذ سنوات بدون نتيجة، الدعوة التي وجهها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في بداية الشهر الفضيل لهدنة إنسانية حقناً للدماء ولإتاحة الفرصة لتكثيف الجهود لمواجهة فيرس كورونا المستجد؛ كما تم تجاهل دعوات أخرى من بينها دعوة ألمانيا وفرنسا وإيطاليا؛ والنتيجة استمرار الحرب، بينما لا يوجد هناك أي مؤشر إلى إمكانية حسمها من قبل أي طرف، خاصة في ظل التدخلات الإقليمية التي تساهم في تفاقم حدة الصراع وتطيل أمده؛ ومن ثم لا سبيل لإنهاء هذه الأزمة إلا سلمياً؛ وهذا ما تطالب به دولة الإمارات العربية المتحدة دائماً، حيث أكد معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية، أنه لا يمكن إحراز أي تقدم حقيقي على الساحة الليبية دون وقف فوري وشامل لإطلاق النار والعودة إلى مسار العملية السياسية؛ وجدد الموقف الواضح لدولة الإمارات من الأزمة الليبية والمتصل بموقف المجتمع الدولي، وضرورة وقف التصعيد الإقليمي لتحقيق ذلك.

والحقيقة أن الأزمة الليبية ليست مسألة داخلية بحتة، كما يجب أن تكون؛ ولكنها استغلت من قوى إقليمية ودولية مختلفة لتصفية حسابات أو لتحقيق مصالح ذاتية لا تخدم بحال من الأحوال الشعب الليبي؛ بل على العكس، تسبب له الآلام والمعاناة وتهدد بتفتيت الدولة وتجزئتها؛ وكما تحدث الدكتور قرقاش، فقد مضى على الأزمة الليبية قرابة 10 سنوات؛ ولن تتاح لليبيين فرصة العيش في بلد آمن ومزدهر طالما أن الأطراف المتقاتلة تهدف إلى تحقيق مكاسب تكتيكية صغيرة وهي تجري وراء سراب النصر المؤقت، ومن ثم «فلا بديل للعملية السياسية لإحلال الاستقرار الدائم».

إن هذا هو الموقف الثابت لدولة الإمارات العربية المتحدة منذ البداية؛ فالحرب فعلياً لا تخدم أي طرف ليبي، كما أنها تدور في حلقة مفرغة؛ حيث لم يتمكن أي من الفرقاء من تحقيق نصر عسكري، ويمكن القول إن هناك حالة من الجمود العسكري الذي وبدل أن يساهم في تحريك الأطراف نحو الحوار وطاولة المفاوضات، أوجد جموداً سياسياً أيضاً؛ هذا برغم الجهود الكبيرة التي تبذلها دول مختلفة، سواء من المنطقة أو خارجها من أجل وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى المسار السياسي.

إن كل يوم يمر يؤكد أن لا حل عسكرياً، ولكن في الوقت نفسه يعني مزيداً من الخسائر في الأرواح والمعدات؛ وكل يوم يمر مع استمرار هذا الوضع تضعف فرص الحل السياسي، وقد تقع البلاد ضحية حرب استنزاف تطول أكثر وأكثر؛ كما حدث في بلاد أخرى بقيت القوى المحلية تتصارع فيها على السلطة لعقود، وحتى يومنا هذا لم يتحقق أي شيء، سوى الدمار والخراب؛ فضلاً عن انعدام التنمية، وأي أفق لمستقبل مشرق كما تطمح شعوبها؟! كل ذلك بسبب مصالح أفراد وفئات وجماعات وتيارات محددة لديها أجندات خاصة ولا تفكر لا بمستقبل بلدها ولا برفاهية شعبها.

إن الحالة الليبية بالفعل مثيرة للقلق من جوانب كثيرة؛ فهذا البلد الذي اضطر شعبه للثورة على الظلم والاستبداد والتجهيل والتهميش وضحى بعشرات الآلاف في سبيل ذلك، وقع ضحية صراعات بين تيارات سياسية وجماعات متطرفة مسلحة، وجدت نفسها أمام فرص للسيطرة على السلطة، وتناست ما يتسبب به كل هذا من أذى للشعب الليبي؛ هذا الشعب الذي يفترض أن يكون وضعه السياسي والاقتصادي أفضل من هذا بكثير بالنظر إلى خيرات البلاد ومواردها الضخمة، وقلة عدد سكانها.

لقد آن الأوان لمختلف الأطراف أن تتعقل وتعيد النظر في حساباتها الخاطئة وتحرر نفسها من القيود الخارجية وتفكر في مستقبل بلدها وشعبها الذي عانى على مدار عقود، وآن له أن يعيش كغيره من شعوب المنطقة والعالم بأمن وسلام؛ فهل تستجيب الأطراف لدعوات التهدئة والحوار؟ وكم من الدماء يجب أن تسيل حتى تستفيق وتعود إلى رشدها؟!

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات