اغتيال ياسين: الدوافع والأبعاد والتداعيات

اغتيال ياسين: الدوافع والأبعاد والتداعيات

  • 23 مارس 2004

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right"><img alt="" hspace="10" src="/ecssr.ae/Images/FeaturedTopics/ft_large/4803_hamas-final%20copy.jpg" align="left" border="0" imagebank="true">لن يكون حادث اغتيال الزعيم الروحي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) الشيخ أحمد ياسين تحولاً في مسار القضية الفلسطينية كما كانت حروب الأعوام 1948، و1967، و1973، و1982، أو اتفاقيات كامب ديفيد الأولى ومدريد وأوسلو، لكنه، من دون شك، سيكون منعطفاً رئيساً ومفصلياً في فصول الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، بحيث يمكن الحديث عما قبل اغتيال ياسين وما بعده، في سياق هذا النزاع المرير الذي كسب قوة دفع هائلة جديدة.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right">لقد طغت العديد من الاعتبارات الأخلاقية والمعنوية على الحادث لتسحبه بعيداً عن محتواه السياسي، وتفرغه من مضامينه الاستراتيجية، وتختصره في المقابلة القيمية المغرقة في الوضوح؛ بين الشيخ والجنرال، والقعيد والباطش، والمقاومة والاستعلاء، والحق القانوني والقوة الغاشمة. وقد انعكس هذا بجلاء في الإدانات التي تدفقت من أنحاء شتى من العالم، وخصوصاً من أوروبا الغربية، كما انعكس أكثر جلاء في الأوصاف التي نُعتت بها عملية اغتيال ياسين، والتي وصفتها بـ "الجبن" و"الإجرام" و"الجنون".</p>

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right">ولا غرابة هنا أن تفضي القراءة المتأنية لردود الفعل على العملية، التي أعُلن أن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيرييل شارون أشرف عليها بنفسه، إلى استنتاج مفاده أن الكثيرين ممن أدانوا العملية بوغتوا بها، أولم يدركوا مراميها، فيما ذهب بعضهم إلى الحديث عن "الحماقة السياسية" و"الجنون" و"الغباء السياسي"، باعتبار أن أي حسابات سياسية تمتلك حداً أدنى من الرشد، وأي تقدير سياسي تجريه أي حكومة مهما كانت درجة تطرفها، لا يمكن أن يؤدي إلى خيارات كارثية من هذا النوع.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right">ليس هناك خلاف على أن الحكومة الإسرائيلية ذاتها هي أول وأجدر من يعرف بالتداعيات المتوقعة لمثل هذه العملية، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي، ولا شك أن تلك الحكومة توقعت حجم الإدانات التي ستحصدها جراء هذا الاغتيال، كما أنها درست المحاذير القانونية والأخلاقية والسياسية التي قد تحوله، في نظر الكثيرين، خياراً فاشلاً وكارثياً.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right">وليس أدل على هذا من الأنباء عن معارضة أعضاء في الحكومة الإسرائيلية لقرار اغتيال ياسين قبل اتخاذه، كما صرح العديد من الوزراء وأعضاء الكنيست (البرلمان) بعد العملية بإدانتهم ورفضهم لها، كما يظهر استنفار الأمن الإسرائيلي، ورفع حال التأهب إلى الدرجة القصوى، والاستنفار العسكري على الحدود الشمالية، وتحذير الرعايا الإسرائيليين من السفر لمناطق معينة، والأنباء عن تحفظ رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) آفي ديختر عن العملية، باعتبار أن خسائرها أعلى من مكاسبها، يظهر كل هذا أن حكومة شارون أقدمت على الاغتيال وهي على بينة واضحة بتداعياته ومخاطره.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right">ويقود هذا بدوره إلى التساؤل المهم عن الأسباب التي دعت شارون، والوزراء اليمينيين تحديداً في حكومته، إلى تبني مثل هذا الخيار بكل ما يحمل من اعتوارات وعوامل فشل. والإجابة عن مثل هذا التساؤل تتوزع على سيناريوات عدة؛ أولها يفترض أن شارون وأركان حكومته من المتشددين يعتقدون أن مقتل ياسين سيخفف الضغوط الأمنية على إسرائيل، وسيحد من قدرة "حماس" على شن هجمات، وهذا سيناريو مرفوض، يدحضه أي تقدير أمني مهما كان متواضعاً.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right">السيناريو الثاني يتحدث عن محاولة شارون التخلص من الأزمات الداخلية التي تطوق حكومته وتطاله شخصياً، والواقع أن حجم هذه الأزمات ليس بالقدر الذي يتيح رفاهية ارتكاب أخطاء من هذا القدر. ويذهب السيناريو الثالث إلى أن ما يفعله شارون يتسق استراتيجياً مع توجهاته كأحد متطرفي اليمين، الساعين إلى تدمير أي جهد يفضي إلى احتمالات إقامة سلام، بما يترتب عليه من "تنازلات مؤلمة" قد تجبر عليها إسرائيل.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right">على أن ثمة سيناريو آخر يجدر طرحه هنا، وهو سيناريو يتطلب قدراً من التخفف من الحمولات الأخلاقية والمعنوية التي تسم هذا الحدث وتثقله، كما يستلزم تقييمه من منظور تكتيكي، باعتبار أن ياسين، كزعيم روحي وقائد فذ لأحد الفصائل الفلسطينية، له أنداد في فصائل أخرى، وله خلفاء ربما يستعدون الآن لمواصلة جهود المقاومة نحو نيل الحقوق المشروعة لشعبهم. من هذا المنظور التكتيكي يمكن فهم أن شارون يتوقع عمليات، نوعية أو غير نوعية، تستهدف وزراء أو مدنيين، تضرب داخل إسرائيل أو خارجها، وهو يسعى لحصر خسائرها في نطاقها الأدنى. لكنه أيضاً سيكسب من هذه العمليات ذرائع لمواصلة سلسلة من الاغتيالات، قد لا توفر زعماء بحجم ياسر عرفات أو حسن نصرالله، وغيرهما.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right">وفي غضون هذا، يضمن شارون بقاء الضغط الإقليمي تحت سقف الإدانة والشجب، وربما تعطيل وتيرة التطبيع. وتلجم سورية "حزب الله" في ظل تعرضها هي نفسها لضغوط غير مسبوقة، على الصعيدين الداخلي والخارجي، ويمر جدار الفصل العنصري، وربما الحل الأحادي كاملاً، تحت مظلة عمليات، قد تكون غير مدروسة، من قبل "متحمسين مكلومين تحركهم الرغبة المشروعة في الانتقام".</p>

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right">الأمر الذي يعزز هذا السيناريو أن عملية اغتيال ياسين، والتي اكتفت واشنطن بالتعبير عن انزعاجها منها والدعوة إلى ضبط النفس، سحبت أنظار وسائل الإعلام واهتمامات الجمهور والرأي العام بعيداً عن الموضوع العراقي، أي سحبت تلك الأنظار إلى حيث واشنطن وسيطاً ترجى نزاهته، لا طرفاً متورطاً بشن حرب لم تظهر لها ذرائع واضحة حتى الآن. كما أن هذا الحادث، الذي سيكون له ما بعده، قد يوفر مظلة إعلامية تركز على سخونة تداعياته، وتمنح الولايات المتحدة وقتاً وهدوءاً هي في حاجة إليهما لإنجاز مشروعها في العراق، كما تمنح إدارة الرئيس جورج بوش تحديداً فرصة لتحسين حظوظه، بعيداً عن تواتر الأنباء عن الخسائر في العراق، في معركة الانتخابات الرئاسية المرتقبة.</p>

<p class="ArabicTransparentNormal" align="right">ويمكن القول إن الفائدة الوحيدة التي يمكن أن تجنيها المنطقة من مثل هذا الحادث هو أن تتمركز الضغوط المفترضة، جراء الإحباط والغضب الناجمين عن فداحته، في محاولة تحريك العملية السياسية على أسس أكثر عدلاً وتوازناً؛ بحيث تجد واشنطن نفسها ملزمة بالتحرك نحو الضغط على إسرائيل لإجبارها على العودة إلى المفاوضات وفق جدول زمني ملزم لتحقيق الأهداف الأساسية من عملية السلام، وهو الأمر الذي يفشل جهود شارون وأركان حكومته من اليمين المتطرف لنسف عملية السلام ورفع درجة التوتر في المنطقة.</p>

Share