اعتراف أستراليا بالقدس «الغربية» عاصمة لإسرائيل مخالف للشرعية الدولية ولا يخدم الاستقرار ولا السلام

  • 17 ديسمبر 2018

يمثل إعلان أستراليا الاعتراف رسمياً بالقدس «الغربية» عاصمة لإسرائيل تراجعاً عن سياسة كانت تنتهجها في الشرق الأوسط منذ عقود، وتغيراً جذرياً في سياستها تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي – الإسرائيلي؛ فما دوافع هذا القرار؟ وما تداعياته؟
موضوع الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ليس جديداً؛ فقد كانت الحكومات الإسرائيلية تسعى للحصول على دعم دولي لضمها إلى الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس منذ عشرات السنين؛ ولكن لم تكن هناك دول مستعدة لاتخاذ مثل هذا القرار لعدة أسباب؛ منها ما هو قانوني حيث يمثل ذلك انتهاكاً لقرارات الشرعية الدولية؛ ومنها ما هو سياسي، حيث يؤيد المجتمع الدولي بشكل عام تحديد مصير الأراضي المحتلة والملفات الأخرى المرتبطة عبر التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مرحلة ما اصطلح على تسميته «مفاوضات الوضع النهائي»؛ ولم تكن أستراليا تخرج عن هذا الإجماع؛ ومنها بالطبع ما هو مصلحي بحت، حيث كانت الدول تخشى توتير علاقاتها بالعالم العربي، بما يمثله ذلك من تهديد لمصالحها الاقتصادية والتجارية الواسعة معها. فما الذي تغير؟
من الواضح تأثير التغير الذي تشهده العلاقات الدولية بشكل عام وموازين القوى خاصة منذ نهاية الحرب الباردة؛ ولكن هناك عوامل إقليمية لا تخفى؛ فحالة عدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة بعد اندلاع ما سمي «الربيع العربي»، والظروف التي تعرضت لها بعض الدول العربية الرئيسية والتي أدت إلى غياب أو، أحياناً، تراجع دورها التاريخي سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو دورها الإقليمي المؤثر؛ والذي سمح بالمقابل بتزايد نفوذ دول إقليمية أخرى مثل إيران؛ كل هذا أسهم في تغيير الموقف الدولي من القضية الفلسطينية حيث تراجعت مكانتها في الأجندات الدولية بعد أن كانت ضمن الأوليات؛ ولا نستطيع أن نتجاهل الصورة التي تروج لها إسرائيل من إمكانية تطبيع العلاقات مع الدول العربية وخاصة المهمة منها في ظل تنامي النفوذ الإيراني والذي يعتبر تهديداً مشتركاً في هذا السياق. وأخيراً وليس آخراً، قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة موحدة ونقل سفارة بلاده إليها؛ والذي فتح الباب لدول أخرى لم تكن تتجرأ على هذه الخطوة مثل غواتيمالا التي كانت ثاني دولة بعد الولايات المتحدة تنقل سفارتها إلى القدس، وبارغواي قبل أن تتراجع عن قرارها لاحقاً، والبرازيل التي أعلن رئيسها المنتخب الجديد، جائير بولسونارو، نيته نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس.
أما عن تداعيات هذا القرار؛ فلا شك أن اعتراف أي دولة بالقدس سواء الموحدة أو جزئها الغربي، عاصمة لإسرائيل، ينطوي على مخاطر عدة، فهو أولاً، قرار مخالف لقرارات الشرعية الدولية التي تعتبر القدس أرضاً محتلة؛ صحيح أن هناك من الناحية القانونية تميز بين القدس الموحدة والقدس العربية والشرقية؛ على أساس أن الغربية جزء من أراضي 48 التي أقيمت عليها دولة إسرائيل، ولم تكن ضمن الأراضي التي احتلت في عام 1967 على عكس القدس الشرقية؛ إلا أن المشكلة الرئيسية أن حدود المدينة غير محددة وغير مرسومة؛ وقد ضمت إليها إسرائيل مناطق من أراضي الضفة الغربية؛ وهذا القرار يشجع إسرائيل على ضم القدس كاملة وتكريسها عاصمة موحدة كأمر واقع. وثانياً، هذا القرار الأحادي لم يراعِ موقف المجتمع الدولي الذي يعتبر القدس من ملفات الحل النهائي؛ وثالثاً، يعد تبنياً صريحاً لموقف الاحتلال الإسرائيلي الذي يريد أن يسيطر على القدس كاملة من دون أي اعتبار لقوانين دولية أو لقرارات مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة ذات الصلة.
ومن هنا فإن هذا القرار لا يتوافق والشرعية الدولية؛ ولا يخدم جهود السلام الميتة أصلاً والتي يجري الحديث عنها؛ كما أنه لا ينسجم مع مبدأ حل الدولتين الذي تؤيده أستراليا نفسها لأنه حل يعتمد بشكل رئيسي على اتفاق طرفي الصراع على الحدود، والملفات الأخرى بما فيها ملف القدس التي يجب أن تستند إلى الشرعية الدولية؛ وفوق هذا وذاك فإن مثل هذا القرار يمثل مكافأة للاحتلال ويشجعه على مواصلة سياساته العدوانية ضد الفلسطينيين سواء من خلال الاغتيالات أو الاعتقالات أو مصادرة الأراضي أو الاستيطان أو هدم البيوت وغيرها من الإجراءات الظالمة والمنتهكة لحقوق الشعب الفلسطيني.

Share