اضطراب أسواق المال الخليجية: الأسباب الآنية والهيكلية

أحمد السيد النجار: اضطراب أسواق المال الخليجية... الأسباب الآنية والهيكلية

  • 18 سبتمبر 2008

تشهد البورصات الخليجية في الوقت الراهن واحدة من أسوأ موجات الاضطراب التي تمر بها، وعلى الرغم من أن العديد من الأسباب الآنية المهمة فعلياً تساق لتبرير هذه الموجة؛ فإن جذور هذا الاضطراب المتكرر أعمق كثيراً من هذه الأسباب الآنية، وهي التي تجعل الاضطراب في هذه البورصات قابلاً للتكرار بصورة تبدو كالكابوس للمستثمرين والاقتصادات ذاتها.

وتشير الأسباب الآنية إلى أن أسواق المال الخليجية قد تأثرت بحالة الاضطراب التي تمر بها البورصات العالمية الكبرى، والتي من الطبيعي أن تؤثر بصورة معنوية ومادية حتى في البورصات التي لم تكن لديها مبررات خاصة للتراجع، فما بالكم بالبورصات التي توجد بها حصص كبيرة وتعاملات نشيطة للأجانب مثل سوق دبي للأوراق المالية. ومعروف أنه في أوقات الأزمات في البورصات العالمية الكبرى، يلجأ المستثمرون الأجانب في بورصات الدول النامية والقادمون أصلاً من بلدان صناعية متقدمة، إلى بيع، أي تسييل قسم مهم من محافظهم في بورصات الدول النامية، لصالح تعديل مراكزهم في بورصات بلدانهم الأصلية، مما يخلق موجة من مبيعات الأجانب في بورصات الدول النامية تؤدي للاضطراب والتراجع فيها. بل إن بعض المستثمرين الخليجيين الذين يستثمرون أموالهم في بورصات أجنبية، يمكن أن يلجؤوا، على غرار الأجانب، إلى بيع أو تسييل قسم من محافظهم المالية في البورصات الخليجية لصالح تعديل مراكزهم في البورصات الأجنبية الكبرى، مما يضاعف من عوامل الاضطراب والتراجع في البورصات الخليجية في لحظات الأزمات.

وفي الأسبوع الماضي (المنتهي يوم 12 سبتمبر/أيلول2008) بلغ التراجع في بورصات الدول الصناعية المتقدمة وفقاً لمؤشر مورجان ستانلي نحو4.1%، بينما بلغ التراجع في بورصات الدول النامية، والتي تضم بلداننا العربية، نحو 5.8%، وبلغت نسبة التراجع في مجموع البورصات العالمية نحو 4.3%. وفي الأسبوع الذي سبقه، كان هناك تراجع بنسبة 0.9% في بورصات الدول الصناعية المتقدمة، وبنسبة 4.4% في بورصات الدول النامية، وبنسبة 1.3% في مجموع بورصات العالم.

وهذا التراجع في البورصات العالمية والاضطراب الذي تعاني منه منذ صيف العام الماضي، يحدث في أجواء أزمة مالية كبيرة ضربت قطاع العقارات وبنوك التمويل العقاري في الولايات المتحدة وبعض الدول الأخرى، وكان آخر وأكبر تجلياتها انهيار بنك ليمان براذرز الأمريكي الذي يعد رابع أكبر بنك استثماري أمريكي، مما دعا رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي الأشهر آلان جرينسبان إلى وصف الأزمة المالية الأمريكية الراهنة بأنها الأخطر منذ قرن. وهذه الخطورة منطقية إلى حد كبير في ظل الإفراط المذهل في منح الائتمان من الجهاز المصرفي في الولايات المتحدة؛ حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن القروض المحلية الممنوحة من خلال الجهاز المصرفي قد بلغت نحو 224.3% في الولايات المتحدة، مقارنة بنحو 128.6% في الاتحاد الأوروبي، ونحو 48.1% في دول الدخل المنخفض، ونحو  76% في دول الدخل المتوسط.

وتشير الأسباب الآنية أيضاً، إلى تراجع أسعار النفط إلى ما دون مستوى 100 دولار للبرميل بعد أن كانت قريبة من ملامسة مستوى 150 دولاراً للبرميل قبل عدة أسابيع، وهذا التراجع في أسعار النفط وما يترتب عليه من تراجع توقعات النمو والفائض في بلدان الخليج المعتمدة على تصدير النفط ومنتجاته، يؤثر سلبياً في التوقعات الاقتصادية المستقبلية وفي معنويات المستثمرين في أسواق المال الخليجية. وبما أن كل العمليات التي تجري في أسواق المال تكون مبنية على التوقعات المستقبلية؛ فإن التوقعات الاقتصادية المستقبلية السلبية، تؤثر بصورة سلبية في اتجاه البورصات.

كذلك فإن ارتفاع معدلات التضخم ووصولها في بعض البلدان مثل السعودية إلى مستويات قياسية، قد خلق حالة من المخاوف بشأن أداء الشركات ومستقبل الاستقرار المالي في الاقتصاد، وهي حالة تجعل سلوك المستثمرين في أسواق رأس المال، مفعماً بالاضطراب، وتشجع اللجوء إلى الملاذات "الآمنة" في أسواق الذهب والأراضي والعقارات والسندات الحكومية والعملات الأكثر قوة واستقراراً، لتخلق اضطراباً في هذه الأسواق بدورها.   

وبعيداً عن الأسباب الآنية الرئيسية والتفصيلية؛ فإن زيادة الثروات العامة والشخصية في الدول الخليجية المصدرة للنفط نتيجة ارتفاع أسعار النفط وزيادة إيراداتها من تصديره، أدت إلى تفاقم حالة الاقتصادات البالونية، بسبب توظيف هذه الأموال في البورصة وفي شراء الأراضي والعقارات والمعادن النفيسة بدلاً من استثمارها في تمويل بناء مشروعات حقيقية ومنتجة للسلع الصناعية والزراعية والخدمات في الاقتصاد العيني. كما أن عودة بعض الأموال العربية من المهجر الغربي الذي صار عنصرياً في مواجهتها، أو توقف جزء من التدفقات التي كانت تخرج إلى المهجر، أديا بدورهما إلى زيادة الطلب على الأسهم والعقارات وهي الاستثمارات الأسهل بالنسبة للمستثمرين الذين لا يملكون خبرات لبناء استثمارات صناعية أو زراعية أو خدمية. وإزاء عدم توازي الاستثمارات العينية الجديدة المحدودة، مع الزيادة الكبيرة في حجم الطلب على الأسهم؛ فإن المبالغة المتراكمة في أسعار الأسهم ثم انهيارها يصبح واقعا لا محالة.

والغريب حقاً أن البحث حول أسباب هذه الانهيارات المتكررة منذ عام 2005، والحلول التي قدمت لمواجهتها، كانت غالباً في الطريق الخطأ؛ ففي بعض البلدان بدا الأمر وكأن الأزمة تكمن في توفير مزيد من الطلب على الأسهم مما استدعى السماح للمقيمين من غير أبناء البلد الأصليين بالاستثمار في الأسهم في بلد كبير مثل السعودية، وخفض الضرائب على الأرباح المحققة في البورصة لإتاحة المزيد من السيولة للمستثمرين ولتشجيع المزيد من المستثمرين على استثمار أموالهم في البورصة، رغم أن الأزمة عكسية تماماً وتتمثل في وفرة الأموال التي أدت إلى ارتفاع أسعار الأسهم بصورة مبالغ فيها، وهذا ما أدى إلى انهيار الأسعار بعد موجات من الصعود غير المنطقي، عند اكتشاف أن العائد عليها محدود بالمقارنة مع أسعارها العالية، ثم حدوث حالة من التذبذب العنيف لأسعار الأسهم في ظل انعدام الثقة واليقين بشأن المستقبل.

ويتعامل الجميع تقريباً على أن رؤساء هيئات سوق المال هم المسؤولون عن أزمة البورصات الخليجية، وهو أمر غير حقيقي؛ لأن الأمر يتجاوزهم جميعاً؛ لأنه ببساطة يتعلق بالاستراتيجية الاقتصادية للدولة والمجتمع في مجال توظيف الإيرادات النفطية والمدخرات العامة والخاصة في مشروعات صناعية وزراعية وخدمية ضرورية لتحقيق التنمية الاقتصادية وتطوير قدرة الاقتصاد على النمو الذاتي المتواصل بغض النظر عن حركة أسعار النفط التي ما تزال حاكمة في تحديد اتجاه غالبية الاقتصادات العربية. إن مثل هذه الاستراتيجية تعني في الواقع أن المدخرات سيتم توظيفها في تمويل الاستثمارات الجديدة التي ستستوعب التدفقات المالية للبورصة بدون مشاكل جوهرية.

لكن لو نظرنا إلى معدلات الادخار ومعدلات الاستثمار في الدول الخليجية سنجد فجوة مذهلة، نتيجتها الطبيعية هي نزوح الأموال للخارج أو المضاربة على الأسهم والعقارات، والوصول بأسعارها لمستويات مبالغ فيها للغاية تجعلها مرشحة للانهيار في أي لحظة. وعلى سبيل المثال فإنه في عام 2006، بلغ معدل الادخار في السعودية 50.3% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغ معدل الاستثمار فيها 17.6%، وفي سلطنة عُمان بلغ معدل الادخار 43.2% وبلغ معدل الاستثمار 18.2%، وفي الكويت بلغ معدل الادخار نحو 62.7%، وبلغ معدل الاستثمار نحو 17%، وفي الإمارات بلغ معدل الادخار نحو 40.1%، وبلغ معدل الاستثمار الإجمالي نحو 21%، وفي قطر بلغ معدل الادخار 67.4%، بينما بلغ معدل الاستثمار 36.7%، وفي البحرين بلغ معدل الادخار 48.4%، وبلغ معدل الاستثمار 26.8% في عام 2006 وفقا لبيانات محسوبة من التقرير الاقتصادي العربي الموحد. وهذه الفجوة تعني أن هناك أموالاً هائمة يتجه جانب كبير منها في العادة إلى أسواق الأسهم ويثير فيها الاضطراب، ولاسيما في ظل ضعف هذه الأسواق وعدم قدرتها على امتصاص هذه الأموال من خلال اكتتابات لمشروعات جديدة أو لتمويل التوسعات في المشروعات القائمة. ورغم أن التراجع في أسواق المال الخليجية سيتقلص كلما اقتربت الأسهم من قيمها الحقيقية المرتبطة بالعائد عليها وبمؤشرات مضاعف الربحية أو معامل الاسترداد، إلا أن التعافي الحقيقي لهذه البورصات يرتبط بمعالجة الخلل الهيكلي المشار إليه آنفاً، والذي يشكل المصدر الرئيسي للأزمات المتكررة في أسواق المال الخليجية.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات