اشتباكات الحدود السودانية-الإثيوبية.. أسبابها وسياقها وتداعياتها

  • 27 يونيو 2020

عادت الخلافات الحدودية بين السودان وإثيوبيا مجدَّداً إلى الواجهة بعد أن شهدت الحدود مؤخراً اشتباكات أسفرت عن مقتل وإصابة أشخاص، خاصة في الجانب السوداني؛ في وقت تتفاقم فيه أزمة سد النهضة مع عدم توصل أطراف النزاع إلى اتفاق بسبب إصرار إثيوبيا على ملء السد باتفاق، أو من دون اتفاق.
ليست الاشتباكات على الحدود بين السودان وإثيوبيا جديدة، وربما يتجاوز عمرها نصف القرن، وهي مرتبطة عادة بموسم الزراعة والحصاد، وتتم بين القبائل وسكان تلك المناطق؛ حيث لا يوجد نزاع حدودي بين البلدين، وقد تم ترسيم الحدود باتفاق الدولتين منذ زمن؛ ولكن المشكلة القائمة يتسبب بها الجانب الإثيوبي، حيث دأبت مجموعات إثيوبية على التعدي على الأراضي السودانية وزراعتها؛ وهو ما لم تقبله القبائل أو المزارعون السودانيون، الذين كانوا يطالبون باستمرار بتدخل الدولة من أجل حل هذه المشكلة التي تظهر بين الفينة والأخرى. ولكن الأنظمة السياسية، التي تعاقبت على حكم السودان منذ الاستقلال، لم تعطِ هذه القضية أهمية أو أولوية؛ وعادة ما تُتهَم الحكومة السودانية بأنها تتغاضى عنها بدوافع واعتبارات سياسية، بل تتستَّر عليها؛ فالمناوشات والاشتباكات التي تسفر عن قتلى في منطقة «الفشقة» مستمرة سنوات طويلة، ولكنها لم تكن تجد اهتماماً من الإعلام؛ وذلك بالنظر إلى طريقة التهدئة التي اتبعتها الحكومات السودانية، وفي مقدمتها حكومة الرئيس السابق عمر حسن البشير.
وما جرى هذه المرة لا يخرج عن السياق نفسه؛ حيث تعدت مجموعات من الإثيوبيين في منطقة «الفشقة» على الحدود بين البلدين. وتبلغ مساحة المنطقة التي يحدث فيها الاعتداء عادة 251 كم2. وهي منطقة لا يوجد عليها أي نزاع حول تبعيتها للسودان، كما أن إثيوبيا لم تدّعِ تبعية المنطقة لها. إذاً ما المشكلة؟ وما الجديد؟ وهل هناك علاقة بين الخلافات القائمة بشأن سد النهضة والتصعيد من الجانب الإثيوبي؟
المشكلة هذه المرة هي وجود اعتداءات وقعت من ميليشيات مدعومة من القوات المسلحة الإثيوبية التي تحرس الحدود؛ ومن ثم فإن هناك تدخلاً واضحاً من الدولة؛ برغم أن الحكومة الإثيوبية أعلنت أسفها لما حدث، وبالطبع قلَّلت من شأنه؛ على أساس أنه يقع ضمن الأعمال المعتادة على الحدود منذ زمن؛ وهذا بالطبع تبرير غير مقبول؛ فما وقع هو اعتداء مباشر على دولة جارة وذات سيادة؛ وتتحمل الحكومة الإثيوبية من دون أدنى شك المسؤولية كاملة عن حركة مواطنيها وميليشياتها وقواتها المسلحة.
ولكنَّ هناك جانباً مهماً لا بد من الإشارة إليه، وربما يفسر دعم الحكومة الإثيوبية لما يقوم به المزارعون الإثيوبيون؛ فالقضية فعلياً أكبر من مجرد اشتباك حدودي؛ أو اجتياز من قبل جماعات، أو حتى ميليشيات؛ وإنما هو محاولة إثيوبية لفرض أمر واقع في منطقة لا تملك فيها أي حق قانوني؛ ولكن تحتاج إليها في إطار مشروعات التنمية التي تسعى إليها بشكل حثيث؛ فبعد أن دأب الإثيوبيون على الاستفادة من هذه الأراضي الشاسعة في الزراعة؛ فهم يحاولون إيجاد واقع ديمغرافي جديد؛ حيث تحدثت مصادر متعددة عن وجود ما يشبه الاستيطان الإثيوبي داخل الأراضي السودانية الشاسعة؛ وذلك بهدف تكثيف الوجود الإثيوبي؛ وهناك فعلياً آلاف المزارعين الإثيوبيين، الذين يتوغلون داخل حدود السودان بأعماق متفاوتة بين 9 و22 كيلومتراً؛ ويسيطرون على ملايين الأفدنة من الأراضي. وسببُ تمكُّنهم من ذلك هو وضع المنطقة المعزولة عن بقية السودان. وهذا بالطبع تطور خطِر، وقد يخلق أمراً واقعاً جديداً، وقد تصبح مناطق متنازعاً عليها؛ خاصة أن هناك أطماعاً تاريخية لإثيوبيا في حدود السودان الشرقية؛ ولهذا فإن على الحكومة السودانية أن تولي هذه القضية اهتماماً أكبر؛ بما في ذلك العمل على إعادة ترسيم الحدود وتثبيتها على طول الشريط الممتد بين ولاية القضارف وإقليمَي التغراي والأمهرة الإثيوبيَّين، وفرض سيادتها عليها مع العمل على تنميتها؛ قبل أن يستفحل الوجود الإثيوبي في تلك المناطق، ويصبح إخراج الإثيوبيين منها مهمة صعبة التحقيق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات