استيعاب الأسباب مدخل لاجتثاث الإرهاب

  • 4 مارس 2018

أثارت الهجمات التي تعرضت لها سفارة فرنسا والمعهد الفرنسي ومقر القوات المسلحة البوركينابية في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو أول من أمس، وأدت إلى مقتل وجرح العشرات من رجال الأمن والمدنيين الأبرياء، ردود فعل دولية مستنكِرة ذلك؛ وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة في مقدمة الدول التي أدانت تلك الهجمات بشدة، وأكدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في بيان لها وقوف دولة الإمارات العربية المتحدة، إلى جانب كل من الجمهورية الفرنسية وجمهورية بوركينا فاسو، ضد كل أشكال العنف والتطرف والإرهاب الأسود. كما جددت الإمارات موقفها الثابت من الإرهاب والتطرف والغلو؛ فمثل هذه الأفعال المشينة، لا بد أن تواجه بموقف حازم لا لبس فيه، وفي الوقت نفسه يجب على المجتمع الدولي أن يبحث في سبل أكثر نجاعة لمواجهة الجماعات الإرهابية التي تنشر الدمار والقتل والخراب حيثما وجدت وكلما تمكنت من ذلك؛ ومحاربة كل مصادر التمويل أينما كانت. فلم يعد يخفى على أحد أن ظاهرة الإرهاب أصبحت التحدي الأكبر الذي يواجه الدول والمجتمعات البشرية في كل مكان؛ حيث تواصل الجماعات الإرهابية هجماتها من دون أي وازع أو تأنيب ضمير، وهي تستهدف الأماكن الآمنة والمدنيين من دون تمييز، وكأن الهدف هو القتل لأجل القتل؛ وهو ما يستدعي بالإضافة إلى المواقف الحازمة من كل عمل إرهابي صغر أو كبر، قرب أو بعد، تكثيف الجهود، وتوسيع دائرة التعاون الدولي بشكل أكبر مما هي عليه الآن، من أجل وضع حد لهذه الآفة التي لم يعد أحد بمأمن منها أينما أقام وأينما ارتحل. وهو ما تدعو إليه الإمارات منذ سنوات طويلة، حيث حذرت وفي وقت مبكر من خطورة الإرهاب ومن التطرف الذي يوجده وكذلك العوامل التي تغذيه. فالقضاء على ظاهرة بهذا الحجم، وهذا المستوى من الخطورة والتعقيد، ليس بالأمر السهل؛ ولا يمكن أن يتم بالوسائل العسكرية أو المقاربات الأمنية وحدها. فالتفجيرات الأخيرة وغيرها من الهجمات التي لا يكاد يستريح العالم منها ولو ليوم واحد فقط، تثبت أن خطر الإرهاب لا يمكن السيطرة عليه أو اجتثاثه من جذوره، كما يطالب الجميع وعلى رأسهم دولة الإمارات العربية المتحدة، إلا بوجود استراتيجية متكاملة وشاملة تأخذ بعين الاعتبار ما يأتي:

أولاً: هناك عوامل «موضوعية» أدت إلى بروز ظاهرة الإرهاب وتوسعها بهذا الشكل غير المسبوق، وهي ترتبط بالأساس بالظروف السائدة في العديد من المجتمعات وخاصة التي تعاني مشاكل اقتصادية كالفقر أو البطالة، ومشاكل اجتماعية كالتهميش أو التمييز.

ثانياً: الإسراع في إيجاد حلول حقيقية للحروب والنزاعات الأهلية والصراعات الإقليمية والدولية التي هي في أغلب الأحيان إما مصدر فعلي ورئيسي لخلق التطرف وتكوين الجماعات الإرهابية، وتفريخها بشكل متسلسل؛ أو تستغل في التجنيد أو التمويل. وهي على جميع الأحوال مصدر لحالات عدم الاستقرار وفقدان الأمن التي ينشط فيها الإرهابيون وينفذون أجنداتهم الهدامة عبرها.

ثالثاً: ظاهرة الإرهاب وبرغم قدمها، لم توجد بهذا الشكل الذي هي عليه اليوم فجأة، وإنما هي أيضاً نتاج تراكمات من الآراء الفقهية الجامدة، والأفكار الشاذة التي لم تخضع لمراجعات علمية أو مرحلة التمحيص المنهجي الذي يثبت مدى صحتها أو دقتها من عدمه؛ أو مدى مواءمتها للعصر أو الواقع والتطورات التي تحدث فيه؛ وهذا يتطلب بالضرورة مراجعة شاملة ليس لأصول الدين ولا الفقه، فهذه ثوابت مستمدة مباشرة من الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وصحيح السنة التي تشرح وتتفق بشكل لا لبس فيه مع كل ما أمر الله به في كتابه؛ وإنما للآراء التي أسهم التشدد فيها، ليس فقط في تلويث فكر الكثير من الشباب، وإنما ترسيخها وكأنها مسلمات ومن الدين بالضرورة، مع أنها، وبالبحث والدراسة، ليست كذلك أبداً.

إن كل هذا، لا يعني بأي حال من الأحوال تبرير الإرهاب أو التسامح مع أي شكل من أشكال دعمه؛ فقتل المدنيين وترويع الأبرياء الآمنين أمران لا يمكن تبريرهما، ولا القبول بهما تحت أي ظرف من الظروف؛ ولكن علينا أن نكون واقعيين، وأن نستوعب كل ما يحيط بهذه الظاهرة، من حيث أسباب وجودها الفعلية والعوامل التي تغذيها؛ وأن ننطلق من ذلك لوضع استراتيجية شاملة للقضاء على من يمارسونها أو يخططون لها، واجتثاثها وتخليص البشرية منها.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات