استهداف المصالح النفطية يعمق أزمة سوق الطاقة

استهداف المصالح النفطية يعمق أزمة سوق الطاقة

  • 27 فبراير 2006

في 24 فبراير/شباط 2006، تمكنت قوات الأمن السعودية من إحباط هجوم بسيارتين مفخختين على أحد أهم مراكز تكرير النفط بالبلاد؛ الأمر الذي جنّب العالم أزمة نفطية جديدة، ودق ناقوس الخطر في الآن نفسه من إمكانية نجاح عمليات مشابهة، بما تستدعيه من تصاعد في الأسعار وتأثير في حجم المعروض من تلك السلعة الاستراتيجية.

ورغم إحباط المحاولة، فإنها أدت إلى ارتفاع أسعار النفط الخام بنسبة 3.4 في المائة، ليبلغ 62.60 دولار أمريكي للبرميل الواحد في سوق المبادلات بالولايات المتحدة، وهي أكبر قفزة تشهدها الأسعار منذ 17 يناير/كانون الثاني 2006.

يشير الارتفاع الملحوظ الذي طرأ على أسعار النفط العالمية فور إذاعة أنباء المحاولة الفاشلة إلى درجة الحساسية العالية التي تعرفها أسواق النفط تجاه الحوادث السياسية والأمنية خصوصاً. كما يؤكد وجهة النظر القائلة بأن معظم التذبذبات الصعودية الأخيرة في أسعار تلك السلعة يرجع إلى انكشافها لكافة التأثيرات الأمنية والسياسية، وتأثرها بالاعتبارات النفسية وسلوك المضاربين بشكل يفوق، في بعض الأحيان، تأثيرات العوامل الأساسية الخاصة تحديداً بحجم الإمدادات والطلب.

ويرى خبراء نفط أن المتغيرات اليومية التي تشهدها الأسعار لا تعكس "أساسيات السوق"، ويستدلون على ذلك بما حدث إبان أزمة إعصار كاترينا في الولايات المتحدة؛ إذ زاد سعر برميل البترول فور الإعلان عن الإعصار إلى نحو 70 دولاراً، ثم ما لبث أن عاد إلى ما دون الـ 60 دولاراً بعد أيام، إثر تأكد السوق من توافر الإمدادات بما يغطي الطلب.

إن خطورة المحاولة الأخيرة لضرب مصفاة نفط "أبقيق" بالمملكة العربية السعودية لا تعود فقط إلى الأهمية الحيوية لتلك المصفاة على خريطة الإنتاج السعودي والعالمي، ولكنها تعود أيضاً إلى تزامنها مع جملة من التوترات السياسية التي تؤثر في خريطة الإنتاج العالمي.

فمصفاة "أبقيق" تعد عصب الإنتاج النفطي السعودي وإحدى أكبر مصافي النفط في العالم، إذ تقوم بتصفية وتكرير نحو خمسة ملايين برميل من النفط يومياً، وهو ما يعادل ثلثي إنتاج النفط السعودي.

ويرى خبراء أمنيون أن هجوماً كبيراً على مصفاة "أبقيق" قد يؤدي إلى خفض الصادرات النفطية السعودية إلى النصف، ولمدة عام تقريباً، وهو الأمر الذي سيكون، من دون شك، وبالاً على سوق النفط العالمية، التي تمثل المملكة العربية السعودية أحد أهم أركانها، باعتبارها صاحبة أكبر احتياطي نفطي في العالم.

إن الأهمية الكبيرة لتلك المصفاة على خريطة الإنتاج والتصدير العالميين كانت وراء الصعود السعري الطارئ على خلفية الحساسية البالغة للسوق. تلك الحساسية التي تعمقت في الآونة الأخيرة خصوصاً تحسباً من تصاعد أزمة طهران مع المجتمع الدولي بسبب البرنامج النووي الإيراني؛ وهي الأزمة التي طالت في أحد أبعادها الموضوع النفطي حين هددت طهران باحتمال لجوئها إلى وقف صادراتها النفطية رداً على السلوك الدولي تجاه إصرارها على المضي قدماً في تخصيب اليورانيوم.

ورغم ترجيح خبراء نفط عديدين عدم قدرة إيران على وقف صادراتها النفطية البالغة نحو 2.5 مليون برميل يومياً، بسبب احتياجها لعوائدها التي تمثل المورد الأساسي والأهم لها من العملة الصعبة، فإنهم لا يستبعدون أن يكون تأثير مثل تلك التهديدات سلبياً على السوق. ويرى هؤلاء أن تصاعد الأزمة الإيرانية-الدولية، وتهديد طهران بوقف الصادرات النفطية ربما يرفع الأسعار بسبب تخوف المصافي من عدم تمكنها من تعويض النقص بسهولة، كما أن المضاربين قد ينتهزون الفرصة بالاستثمار في أسواق النفط الآجلة توقعاً منهم بارتفاع الأسعار بسبب النقص المتوقع.

وإلى جانب المسألة الإيرانية، يبرز الوضع المتوتر في العراق، والذي يشهد استهدافاً واضحاً للإنتاج النفطي في هذا البلد. ففي العام 2005، بلغ إجمالي الخسائر العراقية جراء الهجمات على المنشآت النفطية نحو ستة مليارات دولار، وفق ما أعلنت الحكومة العراقية.

ونجمت تلك الخسائر عن نحو 186 هجوماً استهدفت المنشآت النفطية بجميع أنواعها؛ كتفجير آبار النفط، ومنظومات أنابيب النقل، وغيرها.

ويتزامن هذا مع تصاعد العمليات المسلحة في دلتا النيجر، حيث تتمركز أهم منشآت الصناعة النفطية النيجيرية. وقد شهدت تلك المنطقة توترات عسكرية أدت إلى توقف إنتاج نحو 440 ألف برميل يومياً من مجموع الإنتاج النيجيري، البالغ 2.5 مليون برميل يومياً، خلال شهـر فبراير/شباط 2006.

وإذا أضيفت كافة تلك التوترات التي تؤثر في الإنتاج النفطي العالمي إلى الحرب الكلامية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وتهديد الأخيرة بوقف صادراتها النفطية لواشنطن، تتعمق الحساسية السياسية والأمنية للسوق النفطية، وتغدو أكثر ميلاً للاضطراب والتذبذب السعري الصعودي، حتى في ظل توافر الإمدادات التي تغطي الطلب على المديين القصير والمتوسط، وفي ظل توافر مخزون لدى دول العالم الصناعية الكبرى، يوفر لها ثلاثة ملايين برميل يومياً لمدة عام كما يؤكد خبراء النفط.

ربما كان هذا ما أدركه جيداً قادة الجماعات الإرهابية، الذين اعتبروا المنشآت النفطية هدفاً رئيساً لهجماتهم، وهو الإدراك الذي تبلور في النداء الذي وجهه زعيم تنظيم "القاعدة" أسامة بن لادن، في ديسمبر/كانون الأول 2004، لاستهداف منشآت النفط في الخليج العربي، بدعوى "وقف تدفق النفط نحو الغرب".

ويبدو أن هذا النداء وجد من يسعى لتنفيذه على أرض الواقع، فإلى جانب الاستهدافات المتواترة لمرافق النفط العراقية، جاء هجوم "أبقيق"، الذي أفاد بيان لتنظيم "القاعدة" على شبكة الإنترنت أن عنصرين من عناصر التنظيم نفذاه "بناء على توجيهات أميرنا الشيخ أسامة بن لادن حفظه الله في استهداف المصالح النفطية"، قبل أن يهدد بشن المزيد من الهجمات على تلك المنشآت النفطية في المملكة.

إن استهداف المنشآت النفطية خيار موجع وسهل في آن من وجهة نظر الجماعات الإرهابية. فالنفط سلعة استراتيجية شديدة الحيوية تعد من بين الأهم في قائمة أولويات أسواق العالم، وهي أيضاً شديدة التأثر بأي طارئ يحيط بعمليات إنتاجها وتكريرها ونقلها، فضلاً عن الدور الكبير للعوامل النفسية وسلوك المضاربين في أسواقها.

كما أن المنشآت النفطية في البلدان كثيفة الإنتاج تمتد على مساحات شاسعة، وعمليات النقل تصعب حمايتها على الوجه الأكمل، فضلاً عن أن طبيعة النفط نفسه كمادة شديدة الاشتعال توفر لأي هجوم مهما كان محدوداً إمكانية تضاعف تأثيراته التخريبية.

تستمد الدول العربية المصدرة للنفط بعض أسباب مكانتها الدولية وقدراتها التفاوضية في المشهد الدولي من قدرتها على توفير إمدادات النفط والتعاون المسؤول مع دول العالم الصناعية لضبط سوق تلك السلعة في أطر عادلة ومقبولة للمنتجين والمستهلكين في آن. إن هذا تحديداً من أهم ما يسعى المخربون لاستهدافه والتأثير فيه.

لذلك ستكون المملكة العربية السعودية وبقية الدول المصدرة للبترول معنية في الفترة المقبلة بتكثيف الحماية للمنشآت النفطية، وتفعيل سياسة الضربات الاستباقية للوقاية من وقوع أي محاولات تخريب، فضلاً عن نجاحها، ضد تلك المنشآت.

ورغم الدلائل التي تتضح من قراءة تفصيلات ما أعلن عن العملية المُحبطة ضد مصفاة "أبقيق"، والتي تشي بانحسار قدرات الجماعات الإرهابية في المملكة تحت وطأة ضربات الأمن المركزة وفي ظل نفور شعبي واضح من أنشطتها ومراميها، فإن التهديد بشن مزيد من الهجمات ضد المنشآت النفطية يفرض تحديات أكبر على الأمن السعودي.

على أن التداعيات المتوقعة لأي ضربة تستهدف منشآت نفطية حيوية في أي من دول الخليج ذات الصادرات الكثيفة تحديداً لن تستثني أحداً في العالم، خصوصاً في الدول المستهلكة التي تعاني أصلاً ارتفاع أسعار النفط.

لذلك يجدر بتلك الدول، التي تمتلك قدرات تقنية راقية، أن تتعاون مع الدول المنتجة في تطوير أنظمة أمن وحماية المنشآت النفطية، بما يكفل التصدي لمخاطر استهدافها.

Share