استهداف‮ "نموذج‮" ‬التعايش الإماراتي

  • 28 يونيو 2012

نشرت في الآونة الأخيرة بعض التقارير الصحفية التي تزعم وجود ما وصفته بـ "الانقسام الثقافي" في دولة الإمارات، وركّزت هذه التقارير، بشكل لا يخفى عن إدراك أي مراقب جادّ، على محاولة استهداف "نموذج" التسامح الديني والتعايش الثقافي القائم في دولة الإمارات، مع سعي دؤوب إلى تشويه هذا النموذج وتقويض ركائزه ومحاولة النيل منه إعلامياً، استناداً إلى بعض الممارسات الفردية محدودة التأثير؛ بل والأغرب من ذلك أن هذه الممارسات التي ينظر إليها بشكل سلبيّ من هذه التقارير يمكن في المقابل تصنيفها، في حال توافر رؤية موضوعية محايدة، باعتبارها مؤشراً إيجابياً يؤكد قبول الدولة بنموذح التعددية وقيم التعايش الإنساني الذي تؤمن به عن قناعة راسخة.

ثمّة أمور عدة تحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر قبل الخوض في تفاصيل النقاش: أولها، أن هيئات عالمية متخصصة ومؤسسات دولية هي من رأى في دولة الإمارات "بوتقة للثقافات"، ولم تكن هذه السمة، التي يبدو أنها تزعج بعضهم، منتجاً إعلامياً محلياً. الأمر الثاني، أن سمات نموذج التعايش والتعددية الثقافية في دولة الإمارات قائمة على أرض الواقع ونعتز بها وتشهد بها مدن الدولة ومظاهر الحياة فيها، ولا يمكن أن يقلّل من أثر »النموذج« ولا يحدّ من وجوده بعض السلوكيات الفردية الخطأ التي يقع فيها بعض الزائرين، كما لا يمكن في المقابل تفسير تمسّك مواطني الدولة بهويتهم وجذور ثقافتهم المحلية باعتباره سعياً إلى رفض التعددية الثقافية أو نبذاً لثقافة التعايش.

بصراحة أكثر، ليس من باب العقلانية في شيء القول إن الحديث المتداول محلياً على بعض وسائل التواصل الاجتماعي عما يوصف بـ "قواعد الحشمة" رفض للنموذج الثقافي القائم، ولكن يتم توظيف هذا الحديث واختطافه من جانب بعضهم فلا يخفى على أحد أن هناك من يحاول استلاب العقول لمصلحة أهداف تخصّ جماعات وتنظيمات تسعى جاهدة إلى البحث عن أي مدخل وتوظيف أي نقاش مجتمعي طبيعي لترويج أفكار معيّنة عبر نشر مغالطات ثقافية وعقائدية والتشويش على القناعات.

الثابت في المسألة أن من حق مواطنينا الدفاع عن الثقافة والعادات الإماراتية ولا سيما أن هؤلاء المواطنين لا يطالبون غيرهم باتّباع عاداتنا في الملبس ولكنهم يدعون إلى احترام خصوصيات المجتمع المحلي فقط، وهذا أمر متعارف عليه في أكثر المجتمعات العالمية انفتاحاً ولا يمكن اعتباره دليل انغلاق أو رفضاً مجتمعياً للتعددية الثقافية.

أمر آخر ينبغي الإشارة إليه هو أن السلوكيات الفردية التي تثير التحفّظات لا تواجه برفض من جانب المواطنين أو المواطنات فقط بل تبدو مستهجنة أيضاً من جانب شريحة عريضة من الأجانب الذين يعيشون على أرض الدولة ويدركون أهمية مراعاة خصوصيات المجتمعات باعتبار أن هذه الخصوصيات لا تتعارض مطلقاً مع الحريات الفردية، وأن الضوابط في هذا الإطار قائمة في جميع الدول المتقدّمة، وببساطة أكثر هناك قاعدة تقول إن على المرء أن يحترم قيم البلاد التي يعيش فيها.

الحديث عما يعرف إعلامياً بـ "قواعد الحشمة"، التي تستهدف "تفعيل قيمنا الثقافية"، لا يدفع إلى هذه المساحة من التأويلات والتفسيرات بقدر ما يبدو كردّ فعل مجتمعي تلقائي في ظل ضعف التوعية ببعض الضوابط وقواعد النظام المجتمعي التي كان يفترض على المنشآت السياحية والتجارية بذل مزيد من الجهد لتنبيه الروّاد والسائحين إليها، خصوصاً أن من يعيش في مجتمع الإمارات يدرك بسهولة أن معظم المقيمين من الأجانب على أرض الدولة يتعاملون بشكل إيجابيّ واضح للعيان مع قيم المجتمع وأخلاقياته وأن بعض الممارسات السلبية، سواء على مستوى الملبس أو السلوك الفردي، ترتكب من جانب بعض السائحين ولا تحتاج إلى ما هو أكثر من بعض الجهود التوعوية اللازمة من جانب الهيئات السياحية المختصة والمؤسسات الفندقية داخل الدولة، التي ينبغي لها الانتقال من دائرة تقديم المشورة، كما تقول، إلى المبادرة بتوعية السائحين والزوّار بقواعد السلوك المقبولة مجتمعياً.

Share