استمرار التعنّت الإسرائيلي

  • 30 يناير 2012

كان الهدف من اللقاءات “الاستكشافية” بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في الأردن خلال الفترة الماضية تقريب وجهات النظر، خاصة حول قضيتي الحدود والأمن، تمهيداً لاستئناف المفاوضات السلمية المتوقّفة منذ فترة طويلة، لكن ما قدّمته إسرائيل خلال هذه اللقاءات لا يكشف عن نية حقيقية لإقرار السلام أو توجّه جادّ نحو تسوية مقبولة تطوي ملفّ الصراع وتلبّي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ولذلك لم تخرج هذه اللقاءات بشيء واتَّهم الرئيس الفلسطيني، محمود عباس (أبو مازن)، إسرائيل بإفشالها بسبب تعنّتها ورفضها تقديم تصوّرات واضحة لقضيتي الأمن والحدود، كما طلبت “اللجنة الرباعية الدولية”.

إن الدعوة إلى اللقاءات الاستكشافية كانت محاولة مخلصة لكسر الجمود الحادث في مسيرة السلام والخروج من الدائرة المفرغة التي تمر بها، إلا أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لها نظرتها الخاصة دائماً إلى اللقاءات كلها مع الجانب الفلسطيني أياً كانت طبيعتها أو مكانها أو القضايا التي تناقشها، تتلخّص في أنها مناسبات لممارسة الضغط وتمرير رؤى مشوّهة للتسوية السلمية أو كسب المزيد من الوقت لاستكمال مشروعها لـ “تهويد القدس” وتغيير معالم الأراضي الفلسطينية المحتلّة على المستويين الجغرافي والديموجرافي، إضافة إلى إلقاء الكرة في ملعب الطرف الآخر من خلال طرح بعض التصوّرات والمواقف البعيدة كل البعد عن جوهر عملية السلام والمرجعيات التي قامت على أساسها، ومطالبته بتقديم مواقف ورؤى جديدة رداً عليها أو تفاعلاً معها ومن ثم الظهور أمام العالم في صورة الذي يعمل على تحريك العملية السلمية ويطرح “الأفكار” من أجل التغلّب على جمودها.

تشير أطروحات إسرائيل خلال لقاءات الأردن الاستكشافية، التي أشارت إلى بعضها بعض وسائل الإعلام مؤخراً، إلى أن حكومة نتنياهو لا تريد دولة فلسطينية حقيقية قادرة على الحياة، وإنما “كانتونات” محاطة بأسوار مع الحفاظ على معظم المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأرض الفلسطينية وضمان سيادة إسرائيل عليها إضافة إلى استبعاد القدس، وهذه أطروحات تعني أن السنوات كلها التي مرّت منذ انطلاق “مؤتمر السلام” في مدريد عام 1991 وما طرح فيها من مبادرات وخطط وما تمّ فيها من لقاءات، قد ذهبت هباءً، وأن الأمور تعود من جديد إلى نقطة الصفر، حيث الإصرار الإسرائيلي على إعادة صياغة مرجعيات وأهداف جديدة للعملية السلمية تبتعد بها عن مرجعياتها وأهدافها الأصليّة التي قامت عليها وانخرط الفلسطينيون والعرب فيها على أساسها.

هناك دعوات إلى مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إلا أن الموقف الإسرائيلي خلال المفاوضات الاستكشافية سيجعل أي مفاوضات على أي مستوى أياً كانت طبيعتها من دون فائدة ودوراناً في حلقة مفرغة، لأن المهمّ قبل كل شيء أن تكون هناك نية إسرائيلية حقيقية لدخول عملية تفاوضية جادّة وفق مبادئ محدّدة يتم التزامها وتستند إلى قرارات الشرعية الدولية.

Share