استقالة بولتون.. السياق والدلالات

  • 12 سبتمبر 2019

لا شك أن استقالة أو إقالة مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأمن القومي، جون بولتون، كانت مفاجئة لكل المراقبين داخل الولايات المتحدة وخارجها؛ وكما يبدو فإن هناك علاقة مباشرة بين الاستقالة وموقف الاثنين من ملفات متعددة، أهمها الملف الإيراني.
كانت كل التحليلات تشير إلى أن الرئيس دونالد ترامب اختار جون بولتون مستشاراً للأمن القومي، أحد أهم المناصب في الإدارة الأمريكية، بسبب مواقفه، بل قناعاته المحافظة فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، ومن ثم تقاربه في التفكير مع الرئيس الذي كان مطلع عام 2018، وقبل تعيين جون بولتون بأشهر قليلة، ينتظر الوقت المناسب لإعلان الانسحاب من الاتفاق النووي الذي وقعته بلاده والدول الكبرى الخمس الأخرى مع إيران منتصف عام 2015؛ وكان ترامب يعد العدة لاستراتيجية جديدة مع إيران تتبع الانسحاب، وتقوم على ما عرف بسياسة الضغوط القصوى، وهي التي سيلعب فيها بولتون دوراً رئيسياً بالنظر إلى موقفه المتشدد من إيران؛ ولذلك كان الانسحاب في مايو 2018، أي بعد شهرين تقريباً من تعيين بولتون، أمراً طبيعياً، يعكس توافقاً بين الرئيس ومستشاره في هذه المسالة. ومنذ ذلك الوقت وبولتون يقدم تصريحات نارية ضد النظام الإيراني، ولم يفوت فرصة لا يتحدث فيها عن ضرورة استخدام كل الوسائل لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، بما في ذلك القوة العسكرية؛ وكان يزور إسرائيل باستمرار لتأكيد الموقف الأمريكي، ويمكن القول إن بولتون كان أكثر مسؤول أمريكي واضح في هذا السياق. وهذا بالطبع كان يتوافق وتوجهات الرئيس الذي توعد إيران بعقوبات غير مسبوقة.
ومع تطور الأحداث، وخاصة منذ تصاعد التوتر بين الطرفين في الخليج العربي، كان بولتون يدفع باتجاه الحرب؛ وكان ما يزال يبدو وكأنه يعكس وجهة نظر الرئيس؛ ولكن ما لبثت التسريبات أن تحدثت عن وجود خلافات داخل الإدارة الأمريكية؛ حيث كان هناك فريق يدفع باتجاه القوة، بينما يريد فريق آخر التركيز على العقوبات؛ ومع المستجدات المتسارعة، وخاصة بعد استهداف سفن تجارية بهجمات تخريبية أو بالاختطاف، كان موقف الفريق الداعي إلى القوة يتعزز؛ بينما بدا الرئيس الأمريكي، وبرغم التهديدات المستمرة لإيران، متردداً؛ ولكن رغبته في عدم استخدام القوة وتغيير النظام أصبحا واضحين، حيث عبر عنهما مرات؛ وهذا على عكس ما يطالب به بولتون؛ حتى تم رصد تصريحات متناقضة بين الرئيس ومستشاره؛ ولكن لم يكن من الصعب تفسيرها، حيث لم يعد يخفى وجود خلافات بينهما؛ وقد صرح الرئيس بشكل واضح أن هناك من إدارته من يدفعه نحو الحرب وهو لا يريد ذلك؛ وبالطبع، لم يكن من الصعب التكهن بأن على رأس هذا الفريق جون بولتون.
وأياً يكن الأمر فقد كانت الإدارة تحرص على أن تظهر بصورة المتحدة في هذا الملف، كما في ملفات أخرى من بينها التفاوض مع طالبان وكوريا الشمالية؛ ولكن كان واضحاً أن بولتون يتبنى موقفاً متشدداً من كل هذه الملفات، بينما يظهر الرئيس موقفاً يمكن أن يوصف بأنه مسالم أو -على الأقل- مناقض لما يريده بولتون وتياره.
ويبدو أن حديث الرئيس ترامب عن نيته دعوة «طالبان» إلى كامب ديفيد للتفاوض، كان القشة التي قصمت ظهر البعير؛ فليس من السهل على أحد أبرز الصقور ليس فقط في إدارة ترامب، ولكن في تاريخ الإدارات الأمريكية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، أن يقبل بمثل هذا، وهو يتولى منصباً يُفترض أن يكون ذا تأثير في مثل هذا القرار؛ وبالطبع في القرارات الأخرى المتعلقة بالأمن القومي وقرار الحرب والسلم. ولكن طبيعة الرئيس ترامب التي لم تعد تخفى على أحد، حيث لا يقبل ان يُقال له «لا»؛ وكما تحدثت مصادر مقربة، فقد حدث نقاش حاد بين الجانبين بشأن هذه المسألة ومسائل أخرى، كانت السبب في استقالة بولتون؛ والتي لا شك في أنه ستكون لها تداعيات وانعكاسات على سياسة أمريكا من ملفات رئيسية، أهمها ملفا إيران وطالبان.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات