استعادة الأراضي الأردنية من «إسرائيل».. السياق والأهمية والدلالات

  • 12 نوفمبر 2019

وأخيرا استعاد الأردن الأراضي التي كانت «مستأجرة» لـ «إسرائيل» بموجب اتفاقية السلام التي وقعت بين الطرفين عام 1994، بعد أن أعلن العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، أمام مجلس الأمة، بسط السيادة على «كل شبر» من الأراضي الأردنية. فما سياق هذا الحدث؟ وما أهميته؟ وما دلالاته؟
الأراضي الأردنية التي كانت «مستأجرة» للاحتلال الإسرائيلي، هي الباقورة في الشمال، وتبلغ مساحتها 6 آلاف دونم، والغمر في الجنوب وتبلغ مساحتها أربعة آلاف دونم؛ وكلتاهما كانت مستغلة للزراعة؛ وبرغم أن استعادتهما تعد أمراً طبيعياً؛ حيث انتهت يوم الأحد الموافق العاشر من نوفمبر مدة «عقد» الإيجار الذين كان لـ 25 سنة؛ فإن الحدث في الحقيقة ينطوي على أهمية كبيرة وله دلالات متعددة، فهو:
أولاً، وقبل كل شيء، استعادة للسيادة المنقوصة للدولة على كامل أراضيها؛ فالباقورة التي احتلتها إسرائيل بالقوة في توغل في الأراضي الأردنية عام 1950، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الغمر التي استولت عليها عام 1967، كانت أراضي محتلة بموجب القانون الدولي؛ ولم تنتفِ عنها هذه الصفة، بوجود ملاحق تضمن عقد الاستئجار؛ لأن ذلك لم يكن بإرادة الأردن الحرة؛ بل كان شرطاً من شروط ما عرف باتفاقية «وادي عربة»؛ ومن ثم كانت الدولة مجبرة، بطريقة أو بأخرى، على تأجير هذه الأراضي؛ بينما ما تم واقعياً فهو تغيير للمسمى من الاحتلال إلى الاستئجار؛ ومن هنا، فان استعادة هذه الأراضي يعد تعبيراً عن الإرادة الحرة للأردن، حيث مارست الدولة حقها في تقرير مصير أراضيها بشكل حر وكامل.
ثانياً، استجابة لمطلب شعبي قديم؛ حيث كان الشعب الأردني يطالب بإعادة هذه الأراضي إلى السيادة الأردنية التي يفترض أنها لا تتجزأ، وفسخ عقد الإيجار؛ وهو حق أصيل؛ بل كان الأردنيون يطالبون أيضاً بإلغاء اتفاقية السلام، التي وقعها الأردن نتيجة التغيير في المعطيات الدولية بعد نهاية الحرب البادرة، وما صاحبها من انهيار لما كان يسمى «الأمن القومي العربي»، وخاصة بعد غزو الكويت وما تبعه من اختلال في موازين القوى الإقليمية، وخاصة بعد تدمير العراق.
والحقيقة أن الشعب الأردني كان يرفض الاتفاقية من حيث المبدأ، ولذلك لم يتم عرضها على استفتاء شعبي كما كان يجب؛ بل تم تمريرها بشكل لم يقبل به الأردنيون في حينه، عبر مجلس النواب، الذي كانت تسيطر عليه قوى تقليدية ومحافظة؛ رأت أنه ما كان للملك الراحل الحسين بن طلال، رحمه الله؛ ومعه بالطبع منظومة الحكم كلها، أن يقدم على عقد مثل تلك الاتفاقية، لولا الضغوط الدولية والظروف الإقليمية التي كانت سائدة أنداك؛ ولعل تصريحات ولي العهد الأردني الأسبق الأمير الحسن بن طلال، التي أكد فيها «لو أن السلام كان عقائدياً مع إسرائيل لكان أول المعارضين»؛ خير دليل على هذا. وأياً تكن الحال، وبرغم تقبل الأردنيين للأمر الواقع، فلم تمضِ فترة طويلة حتى ظهر أن هذه الاتفاقية كانت بالفعل شؤماً على الجميع؛ كما أن الملك الراحل نفسه كان يتوقع التزاماً دولياً أكبر بموجب الوعود الاقتصادية التي قطعت له؛ ولكن ما حصل كان أقل ما يمكن أن يقال فيه إنه مخيب للآمال.
ثالثاً، يظهر أن الأردن، وبرغم الظروف الصعبة التي يمر بها، لديه أوراق قوية للضغط على «إسرائيل» التي أعلنت استياءها من تصميم الأردن على عدم تجديد الملحقين الخاصين بتأجير المنطقتين؛ فمع مواصلة الاحتلال سياسة الاستيطان والتهويد، وفي ظل الضغوط التي يتعرض لها الأردن وعبر عنها أكثر من مرة الملك عبدالله نفسه بصراحة، فإن الأردن، وفي ظل الدعم الشعبي القاطع لسياسة الدولة تجاه فلسطين والقدس، لديه أوراق مؤثرة، يمكن أن يلعب بها؛ حيث يستطيع، أولاً، التهديد (المقرون بالمصداقية) بإلغاء اتفاقية وادي عربة؛ وهي التي خدمت -والاتفاقيات الأخرى- بشكل أساسي الكيان الإسرائيلي؛ كما يمكن التهديد -بل يجب- إلغاء اتفاقية الغاز، حيث يوجد بدائل أخرى، من دول عربية شقيقة. كما لا يخفى أن الأردن أيضاً هو بوابة فلسطين الشرقية برياً، إلى العالم العربي، بل المنطقة باسرها؛ وهذا كله يعد مصادر قوة يمكن أن تستخدم في ظل ظروف محددة وبالطبع حسابات إقليمية دقيقة.

Share