استراتيجية مقترحة للتعامل مع الشرق الأوسط

د. كينيث كاتزمان: استراتيجية مقترحة للتعامل مع الشرق الأوسط

  • 3 أبريل 2006

خلال سنواتها الخمس الأولى، وبوجهٍ خاص بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، انتهجت إدارة الرئيس بوش استراتيجية حازمة لنشر نموذج الديمقراطية الغربية في دول الشرق الأوسط. وكانت الركيزة الأولى لهذه الاستراتيجية الضغط بما يكفي لإجراء انتخابات حرة بأسرع ما يمكن، والإطاحة بصدام حسين كمؤشر لجدية الولايات المتحدة وعزمها على إصلاح المنطقة. وقد بررت الإدارة ذلك النهج بأن دمقرطة الشرق الأوسط ستقضي على منابع الكراهية التي سببت الهجمات الإرهابية.

ظهر ضعف نموذج "الإدارة" هذا واضحاً وجلياً في 2005 وبواكير 2006، حين تجاوزت الحركات الإسلامية، في الانتخابات المتتالية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، كل التوقعات أو حققت الانتصارات. وخير مثال على ذلك الفوز المفاجئ الذي حققته "حماس" في الانتخابات التشريعية الفلسطينية في يناير/كانون الثاني 2006. وكما يقول البعض، فإن انتصار حماس سيدفع إدارة بوش، من دون شك، إلى إعادة تقييم شاملة لاستراتيجياتها الرامية إلى تسريع دمقرطة المنطقة. وفي الوقت ذاته يقول منتقدو استراتيجية بوش إنه لا يجدر بالإدارة التركيز على انتخابات فورية، بل التركيز على تجميع لبنات الصرح الديمقراطي الناجح، أي المجتمع المدني وحكم القانون. وإذا ما تحقق ذلك، كما يقول هؤلاء، فإن الأحزاب العلمانية ستزدهر، وستوفر بديلاً للدكتاتوريات القائمة أفضل من ذلك الذي قدمته الأحزاب الإسلامية. ومع هذا يبدو أن الرئيس بوش في خطاب أمام منظمة "فريدم هاوس" بواشنطن قبيل نهاية مارس/آذار 2006، كان يحاول القول بأنه لن تكون هناك تغييرات أساسية في سياسات الإدارة. وفي تلك المناسبة، أقرّ بوش بما وُجـِّه إلى إدارته من انتقادات، ولكنه أصرّ على رأيه بشأن أن الانتخابات نفسها يمكن أن تعجّل بانتشار المجتمع المدني، وقال إن إقامة المجتمع المدني يجب ألا تكون شرطاً لازماً لإجراء انتخابات حرة.

هناك بديل لنهج إدارة بوش ولنهج منتقديه معاً. ويتمثل هذا البديل في تطوير وتعزيز ورعاية نماذج التعددية والتحرير السياسي والتسامح القائمة حالياً في الشرق الأوسط. وتتعارض نماذج الإصلاح القائمة هذه، إلى حد كبير، مع زعم الإدارة المتواصل منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول أن الشرق الأوسط يعاني "خللاً" أساسياً وأنه بحاجة لترميم شامل. وفي ظل استراتيجية "تطوير النماذج"، ستعمل الولايات المتحدة بتقارب أكثر مع الحكومات التي بادرت من تلقاء نفسها إلى الإصلاح، بدلاً من ممارسة الضغوط على الحكومات التي كان الإصلاح فيها ضئيلاً. وتفترض استراتيجية "تطوير النماذج" أن الحكومات بطيئة الإصلاح ستبدأ في تسريع الإصلاحات فيها إذا أدركت أن ذلك يؤدي إلى توثيق عرى العلاقات مع الولايات المتحدة، وزيادة الاهتمام من جانبها ومن جانب غيرها من الحكومات الغربية. وتقوم هذه الاستراتيجية البديلة على تعظيم الآمال بتواصل أكبر مع الغرب، لا على الخوف من ضغوط الولايات المتحدة أو العمل العسكري المحتمل.

وعلى الرغم من أن العديد من دول الشرق الأوسط قد نفذت قدراً من الإصلاحات، وأن كثيراً منها يضم تجارب للتسامح تمرّ غالباً دون أن يلاحظها أحد، فإن بعض النماذج الرئيسية يمكن أن تكون مرشحة لاستراتيجية التطوير.

في منطقة الخليج، نفذت دول الخليج الست جميعها تقريباً قدراً من الإصلاح لفترة طويلة قبل 11 سبتمبر/أيلول، ويُعدُّ بعضها نموذجاً للانفتاح والتسامح مع الأقليات واختلاف الرأي، بل حتى مع مراكز القوى التي تنافس الأسر الحاكمة. ففي الكويت على سبيل المثال، ظل المجلس الوطني المنتخب (البرلمان) شوكة محتملة في خاصرة الحكومة منذ نشأته في الستينيات من القرن الماضي، وكان، في كثير من الحالات، سبباً في إقصاء وزراء الحكومة من مناصبهم، بمن فيهم الوزراء من الأسرة الحاكمة نفسها. وقام هذا المجلس بدور أساسي في حل أزمة الخلافة عقب وفاة الأمير جابر في يناير/كانون الثاني 2006. وقد كان التسامح في الكويت عاملاً حاسماً في تقليل الاضطرابات في أوساط الأقلية الشيعية هناك، حيث يلاحظ أن  الشيعة الكويتيين مندمجون تماماً في الاقتصاد والمجتمع، ولا توجد أي أدلة تذكر على وجود توترات بين السنـَّة والشيعة، حتى بعد اشتعال الصراع بين الطائفتين في الجار الشمالي.

قبل هجمات 11 سبتمبر/أيلول بوقت طويل، أبدى عاهل البحرين الملك حمد استعداداً للاستجابة للمطالب بتحقيق انفتاح في العملية السياسية. وفي بعض الأحيان، قام الملك بطرد قادة أمنيين من مناصبهم- علماً بأن المساس بمثل هذه الشخصيات محظور في الكثير من دول الشرق الأوسط- لأنهم سمحوا باستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين. ورغم أن التوترات بين السنـَّة والشيعة ظلت قائمة في البحرين، فإن الزعامة السياسية نجحت إلى حد كبير في تخفيف حدة الشقاق الذي عكـّر صفو البحرين أثناء التسعينيات من القرن المنصرم، دون تدخل أمريكي أو خارجي.

في سلطنة عمان، شرع السلطان قابوس في عملية إصلاح تدريجي في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، ولم يكن يتعرض لأي ضغوط من الداخل أو من الخارج لإجراء تلك الإصلاحات، لكنه كان يدرك أن المجتمع يزداد تعقيداً. وبذلك قضى السلطان قابوس على أي اضطرابات محلية قد تنشأ لاحقاً إذا قاوم الإصلاح.

تبدو دولة الإمارات العربية المتحدة بطيئة إلى حد ما في الشروع في الإصلاح السياسي، غير أنها تتفوق كثيراً على جاراتها في الانفتاح الاقتصادي والتسامح الاجتماعي. ويؤمن المسؤولون الإماراتيون بأن بلادهم تكون أكثر أمناً مع الانفتاح وليس مع الانغلاق والقمع. ولا تكاد دولة الإمارات العربية المتحدة تعرف الاضطرابات المحلية، أياً كان نوعها، على الرغم من بعض الشكاوى حول أوضاع العمالة الوافدة. ومع أن هناك تقارير تحدثت عن أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد استـُخدمت قبل 11 سبتمبر/أيلول كنقطة عبور محتملة لنشطاء القاعدة، فلا توجد أي مجموعة إسلامية متشددة ظاهرة بداخل الإمارات العربية المتحدة نفسها تشكل تهديداً، أو تتحدى سياسات الدولة للانفتاح الاجتماعي.

بصفة عامة، لم يُنظر إلى المملكة العربية السعودية كنموذج للانفتاح أو الإصلاح، ولكن مما يجدر ذكره أن العاهل السعودي الراحل الملك فهد أعلن انفتاحاً في العملية السياسية منذ عام 1993. كما أن الأسرة الحاكمة بالسعودية عدّلت نهجها السابق إزاء الأقلية الشيعية، فاجتذبت زعماءها ورعت تسويات أدت إلى تخفيف حدة توترات التسعينيات في المناطق الشرقية.

توجد نماذج إيجابية أخرى خارج منطقة الخليج يمكن للولايات المتحدة تدعيمها. فلبنان مثلاً كان يعاني حرباً أهلية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، غير أنه استطاع حل خلافاته الداخلية عبر وساطة إقليمية وليست دولية. وكان لا بد من ضغط أمريكي لإخراج سوريا من لبنان، غير أن الطوائف اللبنانية التي كانت تتقاتل فيما بينها منشغلة الآن بإبرام التحالفات والمساومات السياسية، كما أخذ لبنان يستعيد وضعه كمحور للثقافة الشرق أوسطية، وقد قاوم ضغوط الانخراط في التيار الإسلامي التي مارسها عليه "حزب الله" والتنظيمات الإسلامية السنية في شمال لبنان.

ومن الأمثلة الأخرى التي يجدر ذكرها الأردن. ففي عهد العاهل الأردني الملك حسين ومن بعده الملك عبدالله، استطاع النظام الحاكم أن يستقطب ويروِّض ما كان يحتمل أن يتشكل في صورة حركة إسلامية أصولية في المملكة. وقد تحقق ذلك من خلال إشراك الإسلاميين في العملية السياسية- قبل أن يحصل الإسلاميون على القوة السياسية- بدلاً من قمعهم. كذلك استطاع النظام دمج الجالية الفلسطينية الكبيرة بدلاً من إبقائها خارج اللعبة وحجز الفلسطينيين في المعسكرات أو غيرها من المناطق المغلقة. ونتيجة لهذا الأسلوب، أظهر الأردن قدراً كبيراً من الاستقرار، بل إن أبا مصعب الزرقاوي، الأردني المولد، ليست له قاعدة وسط الجمهور الأردني.

وخلاصة القول، أن البديل المُقترح هو تقوية الارتباط بـ "قصص النجاح" في الشرق الأوسط، كرسالة لتلك الدول التي لم تنتهج سياسات تسامح وإصلاح، على أن تركز هذه الاستراتيجية في جزء منها على تعظيم الإشادة بما تم إنجازه بدلاً من توجيه الانتقادات لبطء عملية الإصلاح. ولن يكون هذا الأسلوب أعلى كفاءة من الاستراتيجية الحالية للولايات المتحدة فحسب، ولكنه أيضا سيحسِّن صورة الولايات المتحدة في المنطقة، وهي حالياً صورة الدولة الكبرى القوية الباطشة، سريعة التدخل في الشؤون الداخلية لدول الشرق الأوسط.

Share