استراتيجية بوش الجديدة في العراق

استراتيجية بوش الجديدة في العراق

  • 17 يناير 2007

أعلن الرئيس الأمريكي "جورج بوش" في العاشر من يناير/كانون الثاني 2007 استراتيجية إدارته "الجديدة" في العراق، والتي تقوم على إرسال نحو 21.500 جندي أمريكي إضافي إلى العراق، لمساعدة الحكومة العراقية على إحلال الأمن والاستقرار، وسط تشكيك واسع في جدواها واحتمالات نجاحها في وقف انزلاق هذا البلد إلى مزيد من أعمال العنف، وتأكيد المعارضين لها بأن مصيرها لن يكون أفضل من الخطط السابقة لتحقيق النصر في العراق، والتي لم يكتب لأي منها نجاح يذكر.

إعلان "بوش" ملامح استراتيجيته الجديدة جاء بعد اعترافه بتحمّل مسؤولية "الأخطاء" التي ارتكبت في إدارة الحرب في العراق، وهي الأخطاء التي أقر في وقت لاحق، بأنها أسهمت في إشاعة الفوضى في هذا البلد، مشيراً إلى أن فشل الجهود السابقة لإحلال الأمن في بغداد جاء نتيجة لسببين رئيسيين؛ الأول: أنه لم يكن هناك العدد الكافي من الجنود الأمريكيين والعراقيين لتوفير استمرار الأمن في الأحياء التي يتم تنظيفها من المسلحين والإرهابيين، والثاني: فرض العديد من القيود على الجنود الذين كانوا يقومون بالمهمّة، مؤكداً أن الاستراتيجية الجديدة لن تكرر الأخطاء نفسها.

ويلاحظ أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، التي سبقها أيضاً قيام بوش بإجراء تغييرات واسعة في القيادتين السياسية والعسكرية الأمريكية بالعراق، تركز على ثلاثة أهداف رئيسة، الأول: مواجهة المليشيات المسلحة، السنية منها والشيعية على السواء، باعتبار أن هذه المليشيات هي المسؤولة عن حالة الفوضى الأمنية، وأعمال العنف الطائفي المتفاقم والعمليات التي تستهدف القوات الأمريكية، ورغم أن مواجهة هذه المليشيات يمثل مطلباً أساسياً لاستعادة الأمن والاستقرار في العراق، فإن هذا الأمر يواجه عدة إشكاليات أساسية لم تحدد هذه الاستراتيجية كيفية التعامل معها، من ذلك أن دخول القوات الأمريكية في مواجهة مع هذه المليشيات، وخاصة الشيعية منها، سيزيد من تفاقم المأزق الذي تعانيه هذه القوات بالفعل؛ لأنه سيدفع هذه الميليشيات إلى الدخول في مواجهات عسكرية معها مما قد يتسبب في إنهاكها وزيادة خسائرها، وهو أمر يبدو مرجحاً إذا أخذنا بعين الاعتبار التقديرات التي طرحها الخبير الاستراتيجي الأمريكي "أنتوني كوردسمان"، والتي تشير إلى قدرة رجل الدين الشيعي "مقتدى الصدر" على تعبئة نحو 60 ألف مقاتل في عموم العراق ضد القوات الأمريكية إذا قررت الدخول في مواجهة مع ميليشيا جيش المهدي، والتي تركز نشاطها الآن على استهداف السنة العرب، كما أن استراتيجية بوش، وكما يبدو من المؤشرات الأولية، لن تستهدف جميع المليشيات المسلحة، فقوات فيلق بدر التابعة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية برئاسة "عبد العزيز الحكيم"، الذي اجتمع مع بوش قبل أسابيع قليلة من طرح استراتيجيته، وقوات البشمركة التي يصر الأكراد على اعتبارها جيشاً نظامياً، لن تدخلا بطبيعة الحال في نطاق الميليشيات التي سيتم مواجهتها، والتي يبدو أنها ستقتصر فقط على الجماعات المسلحة السنية وجيش المهدي.

كما أن ثمة إشكالية أخرى يواجهها هذا الهدف وهي أن حكومة المالكي التي يعلّق عليها "بوش" الدور الأهم في تطبيق استراتيجيته تلك قد لا تملك القدرة على مواجهة ميليشيا جيش المهدي نتيجة تحالفها مع التيار الصدري، والذي تشغل عناصره عدداً كبيراً من مقاعد البرلمان وبعض الحقائب الوزارية، ورغم بعض التقارير الإعلامية التي تحدثت مؤخراً عن حصول "المالكي" على دعم المرجع الشيعي الأبرز "آية الله علي السيستاني" في التصدي للمليشيات الشيعية، وعن قيامه برفع الغطاء عن التيار الصدري ومنح الأمريكيين ضوءاً أخضر لمواجهته، فإن القوات العراقية لن تقوم بالدور الذي يأمله الأمريكيون في التصدي لهذه المليشيات الشيعية، خاصة أن هذه القوات مخترقة بالفعل من جانب تلك المليشيات وفرق الموت، وبالتالي فإن الحال قد ينتهي بالقوات الأمريكية والعراقية إلى مواجهة الجماعات المسلحة السنية فقط، وهو ما سيتعارض مع الهدف الثاني من هذه الاستراتيجية، والذي يتمثل في العمل على اتخاذ بعض الإجراءات لإصلاح الخلل السياسي الذي تسببت فيه السياسات الأمريكية لجهة تهميش الطائفة السنية، ومن هذه الإجراءات ?التي ذكرها بوش- إصدار تشريعات جديدة تضمن عدالة توزيع الثروة النفطية وتعديل قانون اجتثاث البعث وإجراء بعض التعديلات الدستورية. فتصعيد العمليات العسكرية على المدن والجماعات السنية دون غيرها لن يشجع هذه الطائفة على الاندماج في العملية السياسية؛ لأنها ستشعر بأنها مستهدفة، ليس فقط من جانب المليشيات الشيعية وأجهزة الأمن التي تسيطر عليها هذه المليشيات، وإنما أيضاً من جانب الأمريكيين، وهو ما قد يدفعها في المقابل إلى تصعيد عمليات المقاومة، مثلما حدث عقب اقتحام القوات الأمريكية لمدينة الفلوجة في نوفمبر 2004.

أما الهدف الثالث الذي يسعى إليه بوش، كما تعكسه هذه الاستراتيجية، فيتمثل في محاولة تقليم أظافر إيران في العراق. فعلى العكس من التوصيات التي قدمتها لجنة بيكر-هاميلتون، والتي طالبت بفتح حوار مع سوريا وإيران بشأن العراق، تعهد بوش بقطع ما سمّاه "تدفق الدعم" من هاتين الدولتين للهجمات على القوات الأمريكية في العراق، كما أكدت وزيرة الخارجية "كونداليزا رايس" أن بوش أصدر قبل عدة أشهر أمراً يقضي بشن هجوم واسع النطاق على المصالح الإيرانية في العراق، وتمشياً مع هذا الأمر هاجمت القوات الأمريكية مكتب حكومي إيراني في مدينة أربيل في اليوم التالي لإعلان بوش استراتيجيته الجديدة، واعتقلت خمسة إيرانيين يعملون فيه بتهمة الانتماء للحرس الثوري الإيراني وتزويد "المتمردين العراقيين بأسلحة"، مؤكدة أنها ستواصل قطع الدعم اللوجيستي للمتطرفين الوارد من خارج العراق. كما أكد بوش نفسه في وقت لاحق أن بلاده "ستتعامل بحزم مع أي إيراني تعتقله في العراق".

سعي واشنطن لمواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في العراق دفعها إلى العمل على استنفار جهود الدول العربية لتحقيق نوع من التوازن الإقليمي داخل العراق، والحصول على دعمها لاستراتيجيتها الجديدة في هذا البلد، ومن هنا جاءت الزيارة التي قامت بها "رايس" للمنطقة لتسويق هذه الاستراتيجية، والتي طالبت في مستهلها بضرورة "إعادة دمج العراق في العالم العربي من أجل مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة"، فيما أكد "بوش" أن هزيمة الولايات المتحدة في العراق تعني تهديداً إرهابياً لمصر والسعودية والأردن والخليج.. وهكذا فبعد أكثر من ثلاث سنوات من السياسات الانفرادية الخاطئة التي عملت فيها واشنطن على تهميش الدور العربي في العراق، ومحاولة طمس هويته العربية، وتسليمه لقمة سائغة للإيرانيين، بدأت تدرك خطأ سياساتها وتحاول إعادة تنشيط الدور العربي في العراق لإيجاد مخرج ما من الوضع المتردي في هذا البلد. ولكن ماذا يمكن للعرب أن يقدموا لتصحيح هذه السياسات الخاطئة، وقد دخل العراق في هذه الحالة المأساوية من الفوضى والانفلات الأمني والحرب الأهلية؟!!

من غير المرجح أن تتمكن استراتيجية "بوش" الجديدة من إحداث تغيير كبير في الوضع العراقي المتردي، وذلك بالنظر إلى مجموعة من العوامل، منها أن الزيادة المقررة في عدد القوات ليست بالحجم الكبير الذي يستطيع السيطرة على حالة الانفلات الأمني التي يشهدها هذا البلد، فالبعض كان يطالب بزيادة تتراوح بين 40 و50 ألف جندي، إذا كانت هذه القوات ترغب فعلاً في مواجهة المليشيات الشيعية، لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار التراجع المستمر الذي يشهده عدد قوات التحالف الأخرى، بعد سحب إيطاليا آخر جنودها الشهر الماضي، وإعلان دول مهمة مثل بريطانيا واليابان وكوريا الجنوبية أنها تفكر في تخفيض أو سحب قواتها في العراق خلال النصف الأول من العام الحالي، الأمر الذي يزيد المخاوف من أن تتسبب هذه الانسحابات المتتالية في حدوث حالة فراغ أمني تعقد من الوضع المتردي الذي يشهده العراق. بل إن هناك من يرى أن هذه الزيادة المحدودة في صفوف القوات الأمريكية لن تؤدي إلا إلى سقوط مزيد من الضحايا في صفوف هذه القوات.

كما أن أجهزة الأمن العراقية التي يهدف بوش إلى تسليمها كافة المهام الأمنية في نوفمبر/تشرين الثاني القادم، مازالت تواجه ذات المشاكل التي حدت من قدرتها في السابق على تولي المهام الأمنية، كونها مخترقة من جانب الميليشيات الشيعية وفرق الموت الطائفي، وما لم تحل هذه المشكلة بشكل جذري وحاسم، من خلال إعادة تشكيل هذه الأجهزة على أسس وطنية سليمة وغير طائفية، كما هو حادث الآن، فإنها لن تكون قادرة على تحقيق الأمن والاستقرار المنشود، بل وستشكل هي نفسها عاملاً مساعداً للانفلات والفوضى، علاوة على ذلك فإن هذه الاستراتيجية لم تحدد الآليات اللازمة لتقليل مخاوف الطائفة السنية التي تعرض أبناؤها خلال العام الماضي 2006 لأسوأ موجة من عمليات التطهير والقتل الطائفي على أيدي المليشيات الشيعية وفرق الموت المخترقة للأجهزة الأمنية، وخاصة في العاصمة بغداد، التي تشهد ?كما يرى بعض المراقبين- تنفيذ مخطط إيراني واسع لتغيير التركيبة الطائفية فيها لصالح الشيعة من خلال عمليات الاستهداف المنظمة لأبناء الطائفة السنية.

ورغم المعارضة الداخلية القوية لهذه الاستراتيجية من جانب الأغلبية الديمقراطية في الكونجرس، والتي ترى أن الحل لا يكمن في زيادة القوات الأمريكية وإنما في وضع خطة سليمة للانسحاب وتغيير المسار المتبع حالياً، وكذلك من جانب الرأي العام الأمريكي، الذي يعارض 66% منه إرسال مزيد من القوات إلى العراق، طبقاً لآخر استطلاعات الرأي، فإن بوش أكد تمسكه بهذه الاستراتيجية، التي اعتبرها كثيرون ورقته الأخيرة لتحقيق "نصر يبدو مستحيلاً" في العراق، محاولاً في الوقت نفسه الضغط على الحكومة العراقية للقيام بالالتزامات المفروضة عليها طبقاً لهذه الاستراتيجية، مؤكداً أن التزام واشنطن تجاه هذه الحكومة ليس مطلقاً، وأنها قد تخسر تأييد الإدارة والشعب الأمريكيين إذا لم تنفذ وعودها، وهو ما اعتبره البعض تهديداً مباشراً لحكومة المالكي بإمكانية تغييرها إذا لم تقم بتنفيذ ما هو مطلوب منها.

استراتيجية بوش الجديدة للخروج من المأزق المتفاقم في العراق الذي تسببت فيه سياساته الخاطئة على مدى أكثر من ثلاث سنوات لن تكون نتائجها أفضل كثيراً من الخطط والاستراتيجيات التي سبقتها لتحقيق النصر المزعوم في العراق، وستظل "لعنة الفشل" تواكب هذه الإدارة، التي يبدو أنها أشهرت إفلاسها ولم يعد في جعبتها ما تستطيع تقديمه لتغيير هذه الأوضاع المأساوية في العراق والمنطقة، وهو ما يطرح تساؤلاً مهماً مؤداه: ماذا لو فشلت هذه الاستراتيجية؟ وكيف سيتعامل العرب مع سيناريوهات تبدو أكثر قتامة لمستقبل العراق والمنطقة ككل؟!

Share