استراتيجية العقوبات «القصوى» على إيران بين الواقع والمأمول

  • 4 نوفمبر 2019

أعلنت الولايات المتحدة أنها اتفقت مع الدول الخليجية على فرض عقوبات على إيران؛ فيما يعد تطوراً مهماً يُظهر مدى إصرار واشنطن وحلفائها في المنطقة على إجبار إيران على تغيير سلوكها. لكن إلى أي مدى أثرت العقوبات فعلاً»؟ ولماذا لم تؤتِ أُكلها بعد كما يجب؟
جاء إعلان هذه العقوبات في إطار «مركز استهداف تمويل الإرهاب»، الذي يضم بالإضافة إلى الولايات المتحدة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست: الإمارات والبحرين والكويت وسلطنة عمان والسعودية وقطر. وتشمل العقوبات 21 كياناً وأربعة أشخاص متهمين بدعم «الحرس الثوري» الإيراني الذي صنفته أمريكا كياناً إرهابياً، وميليشيا «حزب الله» اللبنانية المصنفة دولياً كذلك. كما أعلن وزير الخارجية الأمريكية مواصلة الجهود للضغط على إيران، حيث أعلن عقوبات على الشركات التي تخدم بشكل مباشر أو غير مباشر برنامج إيران النووي.
وتأتي هذه الحزمة من العقوبات في سياق استراتيجية الولايات المتحدة القائمة على ممارسة الضغوط القصوى التي تبنتها واشنطن بعد انسحابها من الاتفاق النووي الذي وقعته الدول الكبرى (مجموعة 5+1) مع إيران منتصف عام 2015، حيث أعلنت واشنطن بموجب هذه السياسة مجموعة من العقوبات غير المسبوقة على إيران استهدفت بشكل رئيسي قطاع النفط، حيث فرضت حظراً واسعاً على صادرات طهران النفطية كانت تستهدف وصولها إلى الصفر، ولكنها أعطت استثناءات خاصة لبعض الدول؛ حتى لا يحصل ارتباك في الأسواق؛ كما فرضت عقوبات على العديد من الكيانات، سواء داخل الدولة أو تلك التي تتبع لها وتمثل أذرعها التخريبية في المنطقة؛ وكذلك على أشخاص ومسؤولين كبار بمن فيهم المرشد الأعلى نفسه؛ والهدف من كل ذلك هو دفع إيران إلى تغيير سياستها والقبول بمطالب المجتمع الدولي فيما يتعلق ببرنامجها النووي والباليستي، ووقف التدخل في شؤون دول المنطقة، ووقف دعم الجماعات الإرهابية والمتطرفة، والكف عن التصرفات غير المسؤولة التي تستهدف زعزعة الاستقرار في المنطقة؛ بما في ذلك استهداف السفن التجارية، ودعم هجمات إرهابية على مناطق حيوية ومدنية في دول الجوار، كما حدث في الهجمات على شركة أرامكو السعودية؛ وتقديمها الدعم العسكري للميليشيات الانقلابية في اليمن ما يساهم في استمرار الصراع الذي أودى بحياة آلاف الأبرياء وشرد وأفقر الملايين.
وتتبع الولايات المتحدة وحلفاؤها أيضاً أسلوب العقوبات بالتدريج، وذلك من أجل إعطاء قادة طهران الفرصة لإعادة النظر في سياستهم، ولإظهار مدى حرصهم على مصالح ورفاهية شعبهم.
ولكن لا يبدو أن هناك تغييراً في السياسة الإيرانية؛ وبرغم المبادرات الإيجابية التي تقدمت بها أطراف إقليمية متعددة لتخفيف حدة التوتر؛ فإن الإيرانيين يأخذون ذلك بصورة مختلفة، وهم وأذرعهم يستغلون دعوات التهدئة بشكل سلبي، بل ويعتقدون أنها علامة ضعف ونصر لهم؛ فهم يواصلون دعم المتمردين في اليمن ومناطق أخرى؛ كما أنهم تمادوا في التدخل في شؤون العراق الذي تجتاحه مظاهرات يومية واسعة ضد الفساد والظلم والتهميش؛ وفي الوقت نفسه رفضاً للتدخل الإيراني الذي يعتبره العراقيون سبباً من أسباب ما وصلت إليه بلادهم من تدهور اقتصادي وسياسي وأمني.
وربما لا يحتاج المراقب إلى الكثير من التفكير ليدرك أن التمادي الإيراني هذا مرده بالأساس إلى عدم وجود موقف حازم من قبل المجتمع الدولي.
ويرى بعض المراقبين أن الفرصة مهيأة الآن للضغط على إيران بشكل أكبر؛ وهنا يبقى دور الولايات المتحدة حاسماً؛ ولكن ربما لا يزال دون المأمول. صحيح أن العقوبات الأمريكية أضرت بإيران جداً؛ وتسببت بعزلتها؛ ولكنها لم تؤد بعد إلى النتيجة المرجوة؛ حيث تعتقد إيران أنها قادرة على تحمل مزيد من العقوبات؛ طالما أنها لم تؤثر بشكل كبير على السلطة؛ فالشعب الإيراني هو المتضرر الأكبر؛ بينما لم يظهر قادته حتى الآن حرصاً على التخفيف من معاناته؛ لذلك من المهم إذا ما أرادت الولايات المتحدة إجبار إيران على التغيير، أن تعمل بالتعاون من حلفائها في المنطقة، على أن يدفع النظام الإيراني ثمن تماديه في سياساته العدوانية إذا لم يغير سياسته.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات