استراتيجية التفاوض المباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين

  • 29 يوليو 2010

يدور حديث واسع النطاق الآن حول الانتقال من صيغة المفاوضات غير المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين عبر الوسيط الأمريكي إلى صيغة المفاوضات المباشرة. والمفروض أن اتخاذ قرار كهذا لا بدّ من أن يعكس تقدماً نوعياً حدث في عملية التفاوض غير المباشر، ويتسق مع هذا أن "لجنة متابعة مبادرة السلام العربية" ومعها مجلس وزراء خارجية "جامعة الدول العربية" عندما أعطيا الضوء الأخضر للمفاوض الفلسطيني للدخول في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل كان من الواضح أنها تفعل هذا من باب رفع حرج الضغوط الدولية عليها في غيبة الاقتناع بأن المفاوضات غير المباشرة يمكن أن تفضي إلى شيء في ضوء السياسة الإسرائيلية الراهنة. وتحسباً لهذا المصير فإن لجنة المتابعة ومعها مجلس الجامعة قد وضعا حداً زمنياً أقصاه أربعة أشهر لكي تسفر هذه المفاوضات عن نتيجة تبرر الانتقال إلى التفاوض المباشر، وأحد أسباب كثافة التحركات الراهنة في موضوع المفاوضات المباشرة أن الأشهر الأربعة تعتبر قد انتهت بالفعل دون أن تفضي إلى شيء سوى مزيد من التهويد والاستيطان وتهديد المقدسات. ولذلك فإن دول "الاعتدال" العربي في غاية الحرج؛ لأنها من ناحية لا تريد أن تخسر الدعم الأمريكي لها إنْ هي أوصت بعدم الانتقال إلى المفاوضات المباشرة، ومن ناحية ثانية فإنها تُواجَه برفض رسمي فلسطيني حتى كتابة هذه السطور للانخراط في المفاوضات المباشرة؛ حيث إن نتيجة المفاوضات غير المباشرة كانت صفراً. لكن المشكلة أعمق بكثير من أن تضيء "لجنة المتابعة العربية" الضوء الأخضر أمام المفاوض الفلسطيني فينطلق إلى المجهول عبر طريق التفاوض المباشر، أو تطفئه فتبقى النتيجة واحدة؛ حيث إن بدائل هذا التفاوض غير واضحة، حتى الآن، لا في ذهن هذا المفاوض أو غيره من المفاوضين العرب المعتدلين، أو لعلها واضحة لكن ثمة إحجاماً فلسطينياً وعربياً رسميين عن الاختيار من بينها خشية الضغوط الأمريكية والتهديدات الإسرائيلية، وجوهر المعضلة الفلسطينية أن السلوك الراهن للمفاوض الفلسطيني يناقض أبجديات التفاوض كلها.

أول هذه الأبجديات أن المفاوضات لا يمكن أن تبدأ دون عرض افتتاحي واضح من كلٍّ من طرفيها يوضح تصور كل منهما للمآل النهائي للمفاوضات. وأهمية هذا العرض أن الطرف الآخر يُحدد بناءً عليه إذا ما كان من المجدي أن دخول المفاوضات أو أن مقاطعتها مجدية على نحو أكبر، كما فعل جمال عبدالناصر على سبيل المثال في نوفمبر1967 عندما قبل القرار (242) الصادر عن مجلس الأمن في الشهر نفسه في عرض افتتاحي للمفاوضات برغم سوءات القرار؛ لأنه كان ينص على الانسحاب من الأراضي التي احتلت في1967 (وفق الصيغة الفرنسية)، في ما أعلن في الوقت نفسه أنه يتعاطف مع الرفض الفلسطيني للقرار؛ لأنه يتحدّث عن المشكلة الفلسطينية باعتبارها مشكلة لاجئين فحسب، ولا ينص على حلٍّ عادلٍ واضحِ المعالم لها. وإذا كان العرض الافتتاحي الفلسطيني بالغ الوضوح كما هو متضمن في "المبادرة العربية لعام2002" على الأقل فثمة غياب لعرض إسرائيلي افتتاحي أصلاً، وهي سمة غير جديدة على المفاوض الإسرائيلي، وقد يذكر المتابعون لشؤون الصراع العربي-الإسرائيلي أنه لا اتفاقية (إطار السلام في الشرق الأوسط)، التي توصل إليها السادات في مفاوضاته مع إسرائيل عام 1978، ولا (اتفاقية أوسلو) التي وقعت بين الفلسطينيين والإسرائيليين عام 1993، ولا (خارطة الطريق) التي أعلنتها الإدارة الأمريكية عام 2003، ولا (مقررات مؤتمر أنابوليس) عام 2007، الذي حاولت الإدارة الأمريكية من خلاله تسريع التفاوض كي ينتهي قبل انتهاء ولاية الرئيس جورج بوش الابن في نهاية عام 2008، لا شيء من هذا كله كان يتضمن تصوراً واضحَ المعالم لحلِّ الصراع، وإنما كانت الصيغ كلها تتحدث عن التفاوض كآلية للحل الذي سيتمثل في ما يُتفق عليه في المفاوضات. وهذا هو بيت القصيد؛ لأن المفاوضات إنْ استمرت سوف تجرى في ظل ميزان قوى شديد الاختلال بين الفلسطينيين والإسرائيليين لمصلحة الطرف الثاني، ومن ثم فإن أبجديات التفاوض تشير إلى أنه لا بدّ من أن ينتهي إلى ما يحقق المصالح الإسرائيلية تماماً، وأن أي عائد يمكن أن يحصل عليه الطرف الفلسطيني لن يأتي إلا بعد أن تتمّ تلبية متطلبات المصلحة الإسرائيلية بكاملها. 

يقودنا هذا إلى معضلة أخرى في عملية التفاوض الفلسطيني-الإسرائيلي متى تـمّت، وتتمثل هذه المعضلة في أن كل عمليات التفاوض تتضمن تبادلاً للتهديد والتنازلات، والمشكلة في ظل ميزان القوى الفلسطيني-الإسرائيلي الحالي أنه لن يكون في مقدور المفاوض الفلسطيني أن يهدّد إلا بالانسحاب من المفاوضات، وهو أمر له اعتباره؛ لأنه يفقد إسرائيل أساس شرعية سياستها الذي تجده في تجاوب الفلسطينيين -ومن يظاهرهم من الدول العربية- مع رغبتها في التفاوض، لكن من المشكوك فيه أن يكون المفاوض الفلسطيني قادراً على التهديد بالانسحاب من العملية التفاوضية، مع أنه قد يكون مقتنعاً في داخله بأنه لا فائدة ترجى من الاستمرار فيها، لكن أغلب الظن أن الضغوط الأمريكية والعربية والتهديدات الإسرائيلية سوف تمنعه من ذلك. أما التنازلات فحدِّث عنها ولا حرج، لأن أبجديات التفاوض تفضل ألا يبدأ المفاوض بالتنازل، لأن هذا يعطي الانطباع بأنه الأكثر تلهفاً على التسوية، وهو ما يساعد على استدراجه إلى مزيد من التنازلات. غير أن المفاوضات عملة ذات وجهين، ولذلك لا بدّ من أن يبدأ أحد طرفيها بتقديم تنازل ما، وهنا يتمثل التوجيه الثاني المستمد من أبجديات التفاوض في أن تبدأ بتنازل صغير إنْ اضطررت إلى أن تكون البادئ بعملية تقديم التنازلات، على أن التوجيه الثالث القاطع الذي لا يمكن الفكاك منه وإلا خسر المفاوض معركته هو عدم تقديم أي تنازل ثانٍ كبيراً كان أم صغيراً ما لم تحصل من خصمك على تنازل في مقابل مبادرتك بتقديم التنازل الأول. وهنا يسهل علينا أن نكتشف أن سلوك المفاوض الفلسطيني قد خالف كل هذه التوجيهات، فقدّم التنازل تلو الآخر حتى أصبح ظهره إلى الحائط الآن، لا يملك تقديم أي تنازل جديد، وإلا طال هذا التنازل جوهر الحقوق الفلسطينية المشروعة، وأهمها "حق العودة" و"استرداد القدس الشرقية" و"تفكيك المستوطنات" و"تكوين دولة قابلة للحياة" و"التوصل إلى قسمة عادلة للمياه"، وغير ذلك. ولما كان من غير الممكن أن تبدأ المفاوضات وتنتهي بين طرف بالغ القوة هو إسرائيل وثانٍ بالغ الضعف هو الفلسطينيين (على الصعيد الرسمي) دون أن يقدم الطرف الأضعف أدنى تنازل، فإن أغلب الظن أن نتيجة أي مفاوضات فلسطينية-إسرائيلية سوف تتضمن تآكلاً جديداً في جوهر المطالب التي تعبّر عن الحد الأدنى من الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. 

من ناحية ثالثة تشير الخبرات التفاوضية إلى أن المفاوض لا بدّ من أن يحافظ على علاقة وطيدة بـمَنْ يمثلهم، بحيث لا يخسر تأييدهم في أي لحظة من اللحظات وإلا فقد شرعيته التفاوضية، وعلى الرغم من أن المفاوض الفلسطيني قد يكون مدعوماً الآن من بعض أصحاب المصالح أو قصار النظر من مواطني الضفة الغربية الذين يقبلون بالحلول الشوهاء فإن للمفاوض الفلسطيني مشكلة مع الفصائل السياسية الفلسطينية كافة، التي ترفض التفاوض المباشر وتراه بلا أي جدوى على الإطلاق، ناهيك عن عدم سيطرة هذا المفاوض على غزة أصلاً، وبالتالي فهو لا يستطيع التفاوض باسم القطاع إلا لفظياً، أما من الناحية العملية، وبفرض توصله إلى نتائج من خلال المفاوضات، فكيف يفرضها على مَنْ لا يسيطر عليهم! وبالتالي فإن المفاوض الفلسطيني قد فقد الترتيب السليم لأولوياته، حيث كان من المتعيّن عليه أن ينهي أولاً قضية الانقسام الفلسطيني كي يستطيع أن يكون أكثر قدرة على مواجهة الخصم الإسرائيلي. 

في إطار كل ما سبق ليس ثمة توقع بمسار المفاوضات المباشرة إنْ بدأت سوى أن تؤول إلى الفشل أو إلى نتيجة شوهاء لا يمكن أن تعمّر طويلاً لأنها لا تستجيب للمعضلات الحقيقية للصراع، وبالتالي تتركه قابلاً للانفجار في أي لحظة. 

ما هي البدائل المتاحة أمام المفاوض الفلسطيني إذن إنْ كان الأمر كذلك؟ سوف نفترض جدلاً أن بديل المقاومة المسلحة غير وارد لاعتبارات أيديولوجية (بمعنى أن السلطة الفلسطينية لا تؤمن إلا بالتفاوض كآلية للحل)، أو لاعتبارات تتعلق بميزان القوى كما حدث بصفة خاصة بعد الانقسام الفلسطيني الراهن، وهنا فإن أول البدائل المتاحة هو نفض اليد تماماً لا من إمكانية التسوية السلمية للصراع ولكن من أن تكون العملية الراهنة مفضية إلى التسوية، وذلك لأن الاستمرار في اللعبة الراهنة ليس من شأنه إلا إضفاء الشرعية على السياسة الإسرائيلية التي تضرب عرض الحائط بالحقوق الفلسطينية كافة. ويتممّ هذا البديل ضرورة إعلان الدولة الفلسطينية التي تمتلك الأسس القانونية كلها لقيامها، وسوف يقال إن إسرائيل لن تعترف بها ولن تتركها في حالها، فهل هي تترك أراضي الضفة والقطاع في حالها الآن؟ ومن ناحية ثانية فإن إعلان الدولة الفلسطينية سوف يحظى دون شك بتأييد دولي واسع النطاق خاصة في ضوء السياسة الإسرائيلية الراهنة التي تستخف بأبعاد الشرعية الدولية كلها، وسوف يسبب إعلان دولة فلسطينية المزيد من الإرباك للسياسة الإسرائيلية كما حدث في ملابسات "أسطول الحرية" الأخير. وفي النهاية لا بدّ من الاتفاق على استراتيجية للمقاومة المدنية تشبه ما يحدث حالياً بشأن كسر حصار قطاع غزة، و يجب ألا ننسى أن استراتيجية المقاومة المدنية هذه قد لعبت الدور الأوفى في تصفية النظام العنصري في جنوب إفريقيا منذ عقدين من الزمان. فهل نكون أكثر فهماً للواقع السياسي من حولنا أم نُصرّ على أن نكرّر سلوكاً يبدو الآن عبثياً في ضوء هذا الواقع؟

Share