استدامة التنمية في‮ ‬الإمارات

  • 18 أكتوبر 2011

أثبتت التجارب التنموية في الدول النامية في فترة خمسينيات القرن العشرين وستينياته وسبعينياته عدم كفاية مفاهيم التنمية التي كانت سائدة في ذلك الحين، والتي كانت منصبّة في الأساس على تحقيق النمو الاقتصادي في صورته الكميّة وزيادة متوسط الدخل الفردي للسكان، ولم تكن تهتمّ تلك المفاهيم كثيراً بالجوانب الاجتماعية للتنمية، فظلّت معظم الدول النامية برغم تحقيقها النمو الاقتصادي الكمّي تعاني مشكلات الفقر وعدم عدالة توزيع الدخل والأميّة وانتشار الأوبئة، وكمحاولة لتلافي هذه السلبيات جاء مفهوم "التنمية البشرية" كمحاولة لوضع الإنسان في لبّ عملية التنمية.

ولم تكن مفاهيم التنمية في الماضي تهتمّ كذلك بقضايا استمرارية التنمية، فتعرّضت الموارد الطبيعية للاستنزاف وظهرت مشكلات بيئية عديدة كالتصحّر والقطع الجائر للغابات ونضوب المياه الجوفية وغيرها، ما أدّى إلى انتكاسة جهود التنمية في بعض البلدان، وتعرّضت حقوق الأجيال المستقبلية في الموارد الطبيعية للضياع؛ كما ارتبطت تلك المفاهيم كذلك باعتماد اقتصادات الدول النامية بشكل مفرط على قطاعات اقتصادية بعينها، بخاصة قطاعات إنتاج الموارد الأولية، الأمر الذي تسبّب في زعزعة استقرار تلك الاقتصادات وتركها منكشفة على اضطرابات الأسواق العالمية للموارد الأولية، ولتلافي هذه السلبيات الخطرة فقد ظهر مفهوم "التنمية المستدامة".

وقد اتسع استخدام مفاهيم "التنمية البشرية" و"التنمية المستدامة" خلال العقود الثلاثة الأخيرة حتى إن مفهوم التنمية لم تعد له دلالة دون أن يكون متضمّناً هذين المفهومين معاً، وتعدّ دولة الإمارات واحدة من الدول ذات التجارب الناجحة في هذا الشأن، فعلى صعيد التنمية البشرية استطاعت أن تحتل المرتبة الأولى بين الدول العربية والمرتبة الـ (32) عالمياً في ترتيب الدول وفقاً لـ "مؤشر التنمية البشرية" في عام 2010، ضمن "تقرير التنمية البشرية" الصادر عن "البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة".

وسعياً منها إلى ضمان استمرارية التنمية أو ما يطلق عليه "استدامة التنمية"، وفقاً للمفاهيم الاقتصادية، وضعت دولة الإمارات مفهوم "التنمية المستدامة" منهجاً لعملها الاقتصادي والتنموي، فعمدت إلى تخفيف اعتماد اقتصادها الوطني على القطاع النفطي كمصدر رئيسي للدخل، فاستثمرت عائدات هذا القطاع في بناء اقتصاد متوازن وقادر على النمو والازدهار دون استنزاف الموارد، وتوسّعت تدريجياً في القطاعات غير النفطية لضمان أعلى مستويات الاستقرار لاقتصادها؛ فحقّقت إنجازات استثنائية في قطاعات البنى التحتية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والتجارة الداخلية والخارجية والطاقة المتجدّدة والخدمات المالية والمصرفية، وبعض الصناعات مثل الأدوية ومواد البناء والبتروكيماويات والألمونيوم.

إن العمل التنموي المتوازن لدولة الإمارات جعلها نموذجاً يحتذى به على المستوى الإقليمي، وساعدها على الارتقاء إلى مصاف الدول المتقدّمة في سلم الترتيب التنموي، ويبدو ذلك واضحاً في مجيء الدولة إحدى دولتين فقط على المستوى الإقليمي ضمن فئة "دول العالم ذات التنمية البشرية المرتفعة جداً" وفقاً لتصنيف "البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة".

تعدّ الإنجازات التنموية لدولة الإمارات في مجملها دليلاً قاطعاً على سلامة الجهود التنموية التي تقوم بها الدولة منذ نشأتها وعلى مدار أربعة عقود، وهو ما يتوقع أن يستمر كذلك في المستقبل في ظل الأداء الاقتصادي المتوازن للدولة وفي ظل منهج "التنمية المستدامة" الذي تنتهجه في الحاضر وتصرّ على تطبيقه في المستقبل.

Share