استدامة التنمية العالمية على المحك

  • 24 مارس 2014

ما أنجزه العالم من تنمية في القرون الماضية، والتي تبدو مظاهرها واضحة في أوجه الحياة التي نعيشها الآن، من تطور في رفاهية أسلوب المعيشة، ونهضة عمرانية شاملة، وبنى تحتية متطورة، وسبل الانتقال السريع والمريح للبشر حول العالم، ووسائل اتصال وتبادل المعلومات بين المجتمعات، التي غيرت وجه الحياة على كوكب الأرض، وزادت نسب التحضر بين الشعوب، كل ذلك يبدو أنه تطور وتنمية لم تكتسب بعد صفة الاستدامة، ومازالت عرضة لانتكاسات محتملة في المستقبل. ففي تقرير حديث لمنظمة الأمم المتحدة، حذرت المنظمة من أزمة مزدوجة في المياه والكهرباء سيواجهها العالم خلال العقود المقبلة، كما حذرت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو" في وقت سابق من الشهر الجاري، من أزمة غذاء عالمية محتملة أيضاً خلال العقود المقبلة.

الأزمات العالمية المحتملة في المياه والكهرباء والغذاء هي جميعها ناتجة عن عدم توازن واضح بين جانبي الطلب والعرض العالمي من الموارد الحيوية التي تقوم عليها أسس التنمية، فجانب الطلب يزيد بمعدلات مطّردة بسبب النمو الكبير في أعداد السكان، وبخاصة في دول الاقتصادات الصاعدة والنامية، في حين يشهد جانب العرض من تلك الموارد محدودية شديدة. إلى جانب عدم التوازن هذا، هناك سوء في إدارة المعروض العالمي من الموارد الحيوية، يتسبب في هدر ما يتراوح بين ربع وثلث الاستهلاك العالمي من الغذاء، وفي استهلاك نحو ثلثي المياه العالمية في الزراعة التقليدية، هذا إلى جانب ارتفاع نسب الهدر في الاستخدام المنزلي للمياه والكهرباء على حد سواء. ونتيجة لكل ذلك، فإن نحو 842 مليون شخص من سكان العالم الآن يعيشون في براثن الجوع، وربع أطفال العالم تحت سن الخامسة الآن يعانون ضعفاً في النمو لسوء التغذية، ونحو 800 مليون من سكان العالم يعانون نقصاً شديداً في مصادر المياه الآمنة والمستدامة، ونحو مليار وثلث المليار من السكان يفتقرون إلى مصدر للكهرباء، بالإضافة إلى أن نحو 20% من المياه الجوفية في العالم قد نضبت.

هذه المؤشرات تدق ناقوس الخطر التنموي العالمي، بل إن المستقبل قد يحمل المزيد من المخاطر، في ظل النمو المحتمل في العدد الإجمالي لسكان العالم من نحو سبعة مليارات نسمة الآن إلى نحو تسعة مليارات نسمة بحلول منتصف القرن الجاري، والذي سيفضي إلى نمو الاستهلاك العالمي من الكهرباء بمقدار 55% وارتفاع عدد مَنْ يعانون ندرة في مصادر المياه إلى أكثر من 1.8 مليار نسمة، بزيادة تبلغ مليار نسمة مقارنة بعددهم الحالي، هذا بالإضافة إلى أن العالم سيكون مطالباً في ذلك الحين بزيادة إنتاجه من الغذاء بنحو 60% مقارنة بإنتاجه الحالي. هذه المؤشرات توضح إلى أي مدى تعاني التنمية العالمية الحالية هشاشة وانكشافاً على الأزمات في المستقبل، ومظاهر ذلك واضحة في نقاط عدة، فالعالم لم يضمن لنفسه بعد بدائل آمنة وكافية من الموارد الحيوية، وهو لم يصل بعد إلى الإدارة المثلى لموارده، خصوصاً موارد المياه والغذاء، وهناك عدم توازن واضح بين دول وأقاليم العالم المختلفة فيما يتعلق بتوافر هذه الموارد وأساليب إدارتها، ففي الوقت الذي تعاني فيه الدول الفقيرة شحاً شديداً في هذه الموارد، فإن الدول الغنية ترتفع فيها نسب هدر تلك الموارد، إلى مستويات مبالغ فيها، كما هو الحال بالنسبة إلى الغذاء. هذه المعطيات تضع العالم أمام كشف حساب جديد، يجب أن يحفزه للمزيد من التعاون، لإيجاد بدائل أكثر ابتكاراً لمشكلاته التنموية الحالية، قبل أن تتحول إلى أزمات مستعصية في المستقبل.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات