استحقاقات انتخاب المؤتمر الوطني الليبي وتحدياته

  • 5 يوليو 2012

لا يمكن أن يكون هناك اختبار في ليبيا ما بعد الثورة أكثر أهميةً من انتخابات المؤتمر الوطني العام (المجلس التأسيسي) التي تُجرى في السابع من يوليو الجاري. فهذا استحقاق دقيق لمجتمع عاش اثنين وأربعين عاماً تحت ضغوط نظام احتقر التمثيل الشعبي، ومارس أشد أنواع القمع، واحتكر الثروة الوطنية واتّبع التمييز والإقصاء والتهميش ليعاقب المناطق ويضرب القبائل بعضها ببعض. وإذ تخلص الشعب الليبي منه أخيراً، وبات مسؤولاً عن مسار البلاد ومصيرها، فإن الشهور السبعة التي مرّت بعد سقوط النظام اتسمت بالفوضى واختلال الأمن والصراعات المناطقية والقبلية والمواجهات المسلحة بين قوات السلطة الجديدة وما تبقّى من فلول النظام السابق، إلى حدّ أن غالبية المراقبين كادت تجزم أن ليبيا ستنقسم وتتشظّى قطعاً متناثرة، وبالتالي فإن الانتخابات لاحت كأنها ترفٌ بعيد المنال.

ويجب الاعتراف بأن هذا المشهد المخيف فعلاً ظل تحت السيطرة، ثم إن كل التوقعات بحصول حرب أهلية أو ما يشبهها لم تتحقق واقعياً. كأن الفوضى أوجدت توازناتها وضوابطها بنفسها، أو كأن هذا المزاج المشوّش يشكل جزءاً من خصوصية ليبية لم تكن معروفة ويصعب القول إن معاييرها صارت الآن واضحة ومفهومة. ومن ذلك مثلاً أنه حتى في أكثر الفترات توتراً لم يكن أحد يشكك في إجراء الانتخابات، وأن الشرق الذي طالب بالفيديرالية وسُمعت فيه أعلى الأصوات المطالبة بمقاطعة التصويت شهد النسبة الأعلى من الإقبال على تسجيل الناخبين. كما أن المناطق التي سُجّل فيها ظهور الجماعات السلفية، التي جهرت باعتبارها الانتخابات "بدعة" لا شرعية لها، شهدت مثل غيرها حملات دعاية انتخابية، ويستعد الناخبون فيها لممارسة حقهم.

وإذا لم يحصل حدث كبير معطّّل فإن الاقتراع سيتم في موعده، وبإرادة الجميع. فعلى الرغم من وجود فئات مستفيدة من المرحلة الضبابية الراهنة، فإن هناك تلهّفاً لدخول مرحلة الانتقال من الثورة إلى الدولة. لا شك أن الميليشيات، التي خاضت حرباً ضد النظام ولم يعد أفرادها إلى بيوتهم أو إلى أوضاعهم السابقة، شكّلت الحل الوشيك الممكن لفرض حد أدنى من الأمن، غير أنها لا يمكن أن تكون الحل الدائم. وبالتالي فإن معضلة الأمن ستبقى عقدة العُقد وإلى أمد طويل. ولعل أحد المآخذ المسبقة على الانتخابات أنها ستُجرى في ظل الأمن الميليشيوي الذي لا يمكن الركون إلى نزاهته في كل المناطق.

وهذا الاقتراع سيظهّر لليبيين وللخارج أول خريطة سياسية للمجتمع. والواقع أن الصورة لو تتغيّر كثيراً عما أمكن استشفافه خلال الثورة، إلا أنه بعد سقوط النظام وانطلاق الألسن بالنقد زادت حدّة الفرز بين الذين سبق أن عملوا مع النظام السابق، حتى وإن انضموا إلى الثورة من انطلاقتها وقاموا بأدوار مهمة خلالها، وبين الذين كانوا دائماً من المعارضين واالمعادين للنظام. وكما في مصر وسواها غدا هؤلاء جناح "الثوار" وصار اولئك جناح "الفلول". وينطوي هذا التمييز على عشوائية وإجحاف وافتراء إلا أنه بات أحد أبرز محاور الصراع السياسي فضلاً عن التنافس الانتخابي. وكان الإسلاميون سبّاقين إلى استخدامه، غداة انتهاء السيطرة على طرابلس العاصمة، إذ شن الداعية الإسلامي وعضو الاتحاد العالمي لعماء المسلمين علي الصلابي هجوماً قاسياً على "ليبراليي" المجلس الانتقالي، وأبرزهم محمود جبريل، مفتتحاً مسلسل إقصاء هؤلاء وتقديم القريبين من التيار الإسلامي. ونتيجة لذلك أُسقط المجلس التنفيذي، الذي كان أشبه بحكومة إلى جانب المجلس الانتقالي خلال الثورة، واستُبعدت كل وجوهه عن الحكومة الحالية التي يترأسها عبدالرحيم الكيب، وتعمل تحت هيمنة الإسلاميين.

وأدى الاعتماد القسري لوزارتي الداخلية والدفاع على الميليشيات إلى الحفاظ على الأمن ولو نسبياً، لكنه أوجد أمراً واقعاً عزز وجود الإسلاميين في الصورة ومكّنهم من تفعيل انتشارهم. لذلك يسود اعتقاد بأنهم ماضون لاحتلال موقع متقدم في المجلس الوطني المزمع انتخابه. لكن قانون الانتخاب حاول التحوّط لهذه الظاهرة من خلال تقسيم الدوائر واعتماد نظامَي القوائم للأحزاب والتحالفات من جهة، وترشيحات المستقلين في الدوائر الفردية. واذا أُحسن التطبيق بشكل واضح وغير مخلِّ بالقانون فإنه قد ينتج مجلساً متوازناً. هذا يعني أن القبائل والأحزاب ومختلف الهيئات الاقتصادية والاجتماعية ستتمكن من إيصال ممثليها ليكونوا تحت سقف واحد يتداولون في أهم المسائل التي تتعلق بمستقبل البلاد. وعلى الرغم من الشعبية التي تحصّل عليها الإسلاميون على تنوّع مذاهبهم، فقد ظلت القبيلة متمتعة بسلطة لا جدال فيها، مما اضطر الإسلاميين للمرور بها من أجل ترتيب شؤونهم الانتخابية. ويعتبر كثير من المراقبين أن الناخبين سيصوّتون أولاً بحسب ما تقرره القبيلة والروابط العائلية، ثم بدوافع متنوعة كالعلاقات المحلية وارتباطات المصالح، أكثر مما سيصوتون وفقاً للإيديوجيات أو البرامج السياسية.

ومن المعروف أنه وفقاً لقانون الانتخاب ولتوافق تمّ قبل صدوره أن جميع أعضاء المجلس الانتقالي لن يترشحوا للمؤتمر الوطني. ومن هنا يُتوقع أن يضم المجلس سيضمّ غالبية ساحقة من الوجوه الجديدة. وقد أبرزت الحملة الانتخابية أربعة تيارات متنافسة: 1- الليبراليون في "تحالف القوى الوطنية". 2- حزب العدالة والبناء الذي يمثل جماعة "الإخوان المسلمين"، وتأسس في مارس 2012، برئاسة محمد صوان. 3- حزب الوطن الذي يمثل الحركة الإسلامية الليبية للتغيير بقيادة عبد الحكيم بلحاج، والتي تم تأسيسها لتحل محل الجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا، في 15 فبراير 2011، قبل يومين فقط من اندلاع الانتفاضة الشعبية للإطاحة بنظام القذافي.. 4- حزب "جبهة الإنقاذ" الذي كان من أبرز معارضي النظام السابق في الخارج، ويمثل الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا التي تكونت في أكتوبر1981 في الخارج لإقامة البديل الديمقراطي، وقادت عدة محاولات للإطاحة بنظام القذافي. وتعوّل هذه التيارات على المستقلين الذين سيكون لهم وجود مهم داخل المجلس لتعزيز تكتلاتها ونفوذها فيه. ولا تبدو هذه الخريطة مختلفة كثيراً عن تلك التي ارتسمت بعد انتخابات مصر أو تونس؛ حيث صُنّف الليبراليون أيضاً بأنهم إمّا كانوا مع النظام السابق، أو كانوا مستفيدين منه أو متعايشين معه، رغم أن هذا التقييم ينطوي على ظلم فادح لفئات معارضة غير إسلامية تعرضت بدورها للاضطهاد والقمع.

وسيتوقف الكثير من رهانات المرحلة الانتقالية على نجاح هذا الاستحقاق الانتخابي. فخلال الشهر الأول بعد انعقاد الممؤتمر المنتخب سيكون عليه أن ينتخب بدوره رئيساً له ورئيساً للحكومة وأن يشكل هيئة لكتابة دستور جديد يفترض أن يكون جاهزاً بنهاية هذه السنة لاستفتاء الشعب عليه. ولا شك أن المهمة صعبة لأن الدستور مدعو إلى أن يحلّ مجموعة من العقد، كموقع الإسلام ودوره ومدى انعكاسه على شكل الدولة ونمط النظام، وبتّ المسائل المتعلقة بمطالب اللامركزية أو الفيديرالية فضلاً عن علاقة الإدارات المحلية بالحكومة المركزية، وأخيراً كيفية توزيع السلطة للانتهاء من التهميش الذي عانى منه العديد من المناطق… ثم في الاستحقاقات المقبلة إعادة تأسيس للدولة ولعلاقات أجزاء ليبيا بعضها ببعض. والأهم أن المطلوب إعادة الاعتبار لمفهوم الدولة المتمتعة بهيبة القانون لتتمكن من ايجاد حل كريم ومنصف للميليشيات لئلا يبقى الأمن تحت رحمتها.

Share