استثمار الغضب الدوليّ تجاه إسرائيل

  • 2 يونيو 2010

تعمل إسرائيل دائماً على تقديم نفسها على الساحة الدوليّة كضحيّة تدافع عن نفسها في مواجهة أعداء متربّصين بها باستمرار، وذلك من أجل أن تكسب تعاطف شعوب العالم ومساندتها. وأحد الجوانب المهمّة في الصراع العربي-الإسرائيلي منذ بدايته يتعلق بـ"معركة الصورة"، حيث أعطت إسرائيل اهتماماً كبيراً لصورتها النمطية في العالم، خاصة في وسائل الإعلام، وعملت على تقديم نفسها كدولة متحضّرة في الوقت الذي اجتهدت فيه لتشويه صورة العرب والفلسطينيين، واستطاعت من خلال ذلك أن تحقّق مكاسب سياسية كبيرة.

لكن حماقة الاعتداء الدمويّ على "أسطول الحرية" في المياه الدوليّة في عرض البحر الأبيض المتوسط، أوجدت وضعاً صعباً لصانعي صورة إسرائيل في العالم في ظلّ الانتقادات الدولية الكبيرة لهذا الاعتداء، وهي الانتقادات التي لم تقف عند المستوى الرسمي فقط، وإنما امتدّت إلى الجانب الشعبي من خلال العديد من التظاهرات الشعبيّة التي اندلعت في بلاد عديدة حول العالم للتعبير عن الغضب والصدمة جراء استهداف مدنيين عزل كانوا يقومون بمهمّة إنسانيّة. ومن الواضح أن تل أبيب تجد صعوبة كبيرة في تقديم المبرّرات المقنعة لما حدث، ولذلك فإنها تتخبّط بشكل واضح في هذا الشأن من خلال ادّعاء أن ركاب سفن "أسطول الحريّة" هم الذين بدؤوا في العدوان، أو أن بينهم عناصر تنتمي إلى "تنظيمات متطرفة"!

إن هذا المأزق العميق الذي تواجهه إسرائيل جراء الاعتداء على سفن "أسطول الحرية" يمثل فرصة للجانب العربي عليه استثمارها، والاستفادة منها على المستويات الإعلاميّة والسياسيّة والدبلوماسيّة، من خلال التحرّك المنظم لتحقيق العديد من الأهداف، أولها، فضح صورة إسرائيل الحقيقية في العالم بصفتها دولة تقتل المدنيين الأبرياء، ولا تضع أيّ اعتبار لقواعد القانون الدولي أو الإنساني، وتصرّ على محاصرة مليون ونصف المليون فلسطيني، وتجويعهم، ومنع أيّ محاولة لتخفيف المعاناة عنهم. ثانيها، تأكيد أن إسرائيل تمثل، من خلال سياساتها العدوانيّة، تهديداً مباشراً للأمن والاستقرار، ليس في منطقة الشرق الأوسط فقط، وإنما في العالم كلّه، ومن ثمّ فقد حان الوقت للتصدّي لها، ومنعها من التمادي في هذه السياسات المدمرة، وعدم الاكتفاء بمظاهر التنديد اللفظي أو الاحتجاج السياسي فقط. ثالثها، كشف حقيقة جيش إسرائيل الذي تدّعي تل أبيب أنه يراعي قواعد الاشتباك الحضارية في التعامل مع المدنيين، حيث كان الاعتداء على "أسطول الحرية" اعتداءً وحشياً على مدنيين عزل بعيداً كلّ البعد عن التزام أي من القواعد المعروفة والمستقرّة في القانون الدولي في التعامل مع المدنيين.

إن المعارك لا يتم كسبها في ميادين القتال والسياسة فقط، وإنما هناك ميادين أخرى لا تقلّ خطورة وتأثيراً، أهمها الميدان الإعلامي الذي أصبح ذا قوة تأثير كبيرة في عصر ثورة الاتصالات والمعلومات. ومن المهم أن يكون هناك تحرك عربي إعلامي متّسق على الساحة الدوليّة لتحقيق أكبر استفادة من الغضب الدولي العارم تجاه العدوان على "أسطول الحرية"، حتى لا تظلّ إسرائيل قادرة على الدوام على تحسين صورتها في العالم، وتشويه صورة الآخرين.

Share